الحركة الأسيرة

قدري أبو بكر.. مسيرة نضال وكفاح عاش ثائراً وأسيراً ومبعداً وترجل شهيداً للواجب الوطني

في . نشر في مقالات

قدري أبو بكر.. مسيرة نضال وكفاح
عاش ثائراً وأسيراً ومبعداً وترجل شهيداً للواجب الوطني
المؤلف: عبد الناصر عوني فروانة
8تموز2023
لحظة تلقي خبر وفاة اللواء قدري أبو بكر، شهقت أنفاسي ولم أصدق - ولا أريد أن أصدق - تنقلت بين المواقع الإخبارية والقلق يتملكني، علّ أحدها ينفي أو حتى يأتيني بأهون المصائب "إصابة الوزير اللواء قدري أبو بكر"!!.
وأجريت اتصالاً واثنين وثلاثة، وتواصلت مع زملائي في هيئة شؤون الأسرى والمحررين، فجاءت الأنباء البائسة: "أبو فادي مات بالفعل ورحل إلى الأبد".
يا الله ما أقسى الموت، حينما تفقد إنساناً عزيزاً، فهذا ليس بحادث عادي أو موت عابر، إنها الفاجعة. فاجعة إنسانية ووطنية أصابتنا جميعاً بالصدمة؛ وما زلنا نعيش اضطرابات ما بعد الصدمة. وكما يقول الشاعر الفلسطيني محمود درويش: الموت لا يوجع الموتى.. الموت يوجع الأحياء.
عرفناه ثائراً فتحاوياً ومقاتلاً فلسطينياً وأسيراً وطنياً متمرداً على كل أشكال الظُلم والقهر، ورمزاً من رموز الحركة الأسيرة، طوال سنوات سجنه التي امتدت لنحو سبعة عشر عاماً متتالية.
عرفناه رجلاً صادقاً وقائداً وحدوياً وإنساناً متواضعاً، في كل الميادين، فحفظنا صورته في القلوب، وحفرنا اسمه في العقول، وسنردد معاً اسمه دوماً بين الجموع. فما من أحد عرفه أو التقى به، إلا وأثني على حسن سيرته وطيبة قلبه. وما من أحد من هؤلاء سمع بخبر وفاته إلا وتوشح الحزن ألماً لفراقه، واسترسل بذكر محاسنه، وهذا ما سمعناه وقرأناه في حياته وبعد مماته.
الرئيس يكلفه رئيساً لهيئة شؤون الأسرى والمحررين
تشرفت بالاتصال به للمرة الأولى مهنئاً، عقب صدور قرار السيد الرئيس محمود عباس بتكليفه رئيساً لهيئة شؤون الأسرى والمحررين في أغسطس عام2018، وتبادلنا الحديث في هموم الأسرى وشؤون العمل، فإذ به يفاجئني بالسؤال عن أبي ويخبرني بأنه كان صديقاً له في السجن وعايشه لسنوات طوال في غرف سجن بئر السبع. لقد كان يتمتع بذاكرة قوية. وبمجرد أن أنهيت المكالمة، توجهت لوالدي وأخبرته بالحوار، فبدأ هو الآخر باستعادة ذكرياته والإشادة به وبسماته الطيبة وسرد سيرته النضالية والوطنية المشرقة. وحين توفى "والدي" رحمة الله عليه مساء 8نوفمبر 2020 كان "أبو فادي" أول المتصلين معزياً برحيله.
وتوالت الاتصالات، وتبادلنا الحديث مراراً وتكراراً، لكننا لم نستطع اللقاء فوق تراب الوطن بفعل إجراءات الاحتلال والقيود المفروضة على حرية التنقل ما بين غزة والضفة الغربية، فكان لقاؤنا الأول في نوفمبر عام 2018 بالقاهرة، أي بعد تسلمه رئاسة هيئة شؤون الأسرى والمحررين بثلاثة شهور، ومن ثم توالت لقاءات العمل، فالتقيته كثيراً وتشرفت بالسفر برفقته مراراً إلى عواصم عربية وأوروبية عديدة، وشاركنا في لقاءات ومؤتمرات عربية ودولية عديدة، ودخلنا سوياً سفارات فلسطينية ومؤسسات واتحادات عربية كثيرة بما فيها جامعة الدول العربية، والتقينا بالأمين العام أكثر من مرة، وطرقنا معاً أبواب برلمانات ومؤسسات أوروبية ودولية، والتقينا هناك بالعديد من البرلمانيين الأوروبيين. وكانت العاصمة البلجيكية (بروكسل) آخر المحطات الأوروبية التي جمعتني به في فبراير الماضي.
أما عربياً فكما شهدت مصر لقائي الأول به عام2018، كانت العاصمة المصرية (القاهرة) هي المحطة الأخيرة للمشاركة في العديد من اللقاءات والفعاليات، أبرزها الفعالية التي أقامتها جامعة الدول العربية إحياءاً ليوم الأسير الفلسطيني.
وكانت آخر لحظات اللقاء قبل الفراق الأبدي، في صالة مطار القاهرة الدولي، وهو عائد والوفد المرافق إلى رام الله، فجر الجمعة 12 مايو2023. يومها أصريت بأن أبقى معهم حتى اللحظة الأخيرة وان أرافقهم إلى المطار، ولسان حالي كان يردد على مسامعهم: لا نعرف متى سنلتقي مجدداً. وكأنني كنت أودعه الوداع الأخير.
وفي السفر لنا معه ذكريات..
وفي السفر، لنا معه ذكريات كثيرة، حافلة بالمواقف الوطنية والإنسانية، وتبادلنا معه أحاديث عديدة، وكان يحرص، على سبيل المثال، أن يستهل زيارته للقاهرة بزيارة الأسيرة الأولى في الثورة الفلسطينية المعاصرة الأخت المناضلة فاطمة البرناوي، حيث كانت تُقيم قبل رحيلها في 3نوفمبر 2022، وقد زرناها معاً مرات عدة.
وكان سريع الاستجابة مع الاتصالات الهاتفية، فلم يترك اتصالاً إلا ويرد عليه، وكثيراً ما رن هاتفه النقال أثناء تناوله الطعام، فإذ به يتوقف عن الأكل ويمسك هاتفه ويرد على المتصل دون أن يعرف هويته.!
وخلال وجودنا في بروكسل، المرة الأخيرة، قبل خمسة شهور، وصلتنا رسالة بعد منتصف الليل تفيد بأن الأسير (أحمد أبو علي) استشهد في سجن النقب جراء الإهمال الطبي، وفي الصباح نزلنا معاً لتناول طعام الإفطار، وقبل أن أبلغه بالخبر. فإذ به يفاجئني قائلاً: اتصل بي الأسرى الساعة الرابعة فجراً (عبر هاتف مهرب) وأبلغوني بخبر استشهاد الأسير. فاستهجنت الأمر وتساءلت: كيف تُبقي هاتفك مفتوحاً طوال الليل يا عمي أبو فادي وترد على الاتصالات بعد المنتصف!. فرد والابتسامة تعلو وجنتيه: نحن خدم للأسرى وقضيتهم.
وفي السفر، كان يتجاوز طواعية البروتوكول الخاص بالوزراء، وكثيرة هي المرات التي منحنا فيها مساحة بالمشاركة في الحديث. كما ولم يشعرنا أبداً بأنه وزير ونحن مرؤوسوه، كان بمثابة الأب الحنون والأخ الكبير والصديق الوفي. كان طيباً وكريماً ومتواضعاً.
معايدة عيد الأضحى المبارك والتواصل مع أهالي الأسرى
وفي اليوم الأول من أيام عيد الأضحى المبارك، اتصلت به مهنئاً إياه والأسرة بحلول العيد، فإذ به، في نهاية المعايدة، يطلب مني رقم هاتف الحاجة أم ضياء الأغا، والدة عميد أسرى قطاع غزة والمعتقل منذ 31 عاماً، ليقدم لها التهاني وهذا ما حصل بعد أن أنهيت مكالمتي. كان حريصاً على التواصل مع الأسرى وعوائلهم. وهو العارف لمعنى أن تكون أسيراً، أو أن يكون لك أبٌ أو ابنٌ أسيراً. فكان مناصراً لهم وصادقاً معهم، وداعماً لحريتهم ومسانداً قوياً لقضيتهم العادلة. فأحبه الجميع وحزن الكل الفلسطيني على رحيله، وكان الحزن أكبر لدى من التقى به. فهذه "أم ضياء الأغا" تقول لي:. "التقيت به، وللمرة الأولى، مؤخراً في القاهرة، وجالسته في أكثر من مناسبة، فتعرفت أكثر عليه، وازددت احتراماً له، وبعد رحيله شعرت بألم كبير وحزن مضاعف. فيا ليتني لم ألتقِ به ولم أتعرف على شخصيته عن قُرب، لكان الألم أخف والحزن أقل".
وهذا يتقاطع مع ما كنت أرددته على مسامعه وأمام من معه، قبل الفراق بعد كل لقاء، كنت أقول له: كلما التقيت بك، ازددت احتراماً لك.
سيرة مشرقة ومشرّفة..
سيرة العظماء لا ترحل برحيل أجسادهم، وكيف يمكن أن ترحل سيرة "أبا فادي" الذي عاش حياة خصبة وعميقة، وكرّس حياته لأجل وطنه وشعبه وقضية الأسرى والمحررين وعوائلهم، على اختلاف انتماءاتهم، وحرص على أن يكون دائماً عنواناً وحدوياً، وفي كل مرة كانت وطنيته وفلسطينيه تتغلب على فتحاويته، فشكّل رمزاً للكل الفلسطيني.
ولد قدري عمر محمد أبو بكر وكنيته "أبا فادي" في الأول من يناير عام 1953، في بلدة بديا غرب محافظة سلفيت، وانتمى إلى حركة "فتح" عام 1968، ثم التحق بالقوات المسلحة وتلقى تدريبات عسكرية في معسكرات الثورة في الأردن والعراق، وغدى مُطارِداً للعدو ومُطارَداً منه، إلى أن أُعتقل منتصف عام 1970 أثناء مشاركته بمهمة عسكرية قرب قرية يتما جنوب محافظة نابلس وحُكم عليه بالسجن 20 عامًا.
أبعد إلى العراق في أكتوبر عام 1987، بعد قضاء 17عاماً من فترة حكمه، ليعُيِّن هناك مديراً لمكتب القائد خليل الوزير "أبا جهاد"، فكان أحد أركان فريق متابعة العمل النضالي والكفاحي في الأراضي المحتلة، وفي عام 1996 عاد إلى الضفة الغربية، ليعمل مساعداً للمدير العام لجهاز الأمن الوقائي للشؤون المالية والإدارية، وتقاعد برتبة "لواء" عام2008، ليتفرغ بعدها للعمل في أطر حركة "فتح"، وكلف رئيساً للجنة الرقابة المالية في المجلس الثوري للحركة، قبل أن يتم استدعاؤه للعمل مجدداً في أغسطس عام 2018 وتكليفه رئيساً لهيئة شؤون الأسرى والمحررين، ومن ثم تم منحه رتبة وزير، وخلال انعقاد المجلس الوطني عام 2018 تم انتخابه عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني.
حصل "أبو بكر" على شهادة الثانوية العامة أثناء فترة سجنه عام 1974، وبعد تحرره واصل تعليمه فحصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة بيروت العربية عام1991. ومن مؤلفاته: كتاب المعتقلون الفلسطينيون من القمع إلى السلطة الثورية، وكتاب الإدارة والتنظيم للحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة، أساليب التحقيق لدى المخابرات الإسرائيلية- كيف تواجه المحقق؟، هذه هويتي. كما وساهم، مع إخوانه ورفاقه، في بناء الحركة الأسيرة وصياغة التاريخ المقاوم خلف القضبان وفي وضع دستوراً ثورياً يحتكم إليه أبناء الحركة الأسيرة.
تزوج أبا فادي بعد تحرره من السجن من المناضلة والناشطة المجتمعية أريج عودة، وأنجب منها ولدان (فادي وفرات) وبنت اسمها (دانا).
الرحيل الأبدي..
انتقل إلى رحمة الله تعالى عصر يوم السبت الموافق 1 يوليو 2023 عن عمر يناهز (70عاماً)، إثر حادث سير مؤسف قرب بلدة جماعين جنوب مدينة نابلس، حين كان يقود سيارته بنفسه، دون سائق أو مرافق، أثناء عودته إلى بيته بعد أداء واجبه الوطني ومشاركته في فعالية أقيمت في مقر الرئاسة الفلسطينية برام الله بحضور السيد الرئيس الفلسطيني محمود عباس، لمعايدة أطفال الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي بمناسبة عيد الأضحى المبارك. كان هذا آخر ما شارك فيه، فصافح هذا وذاك، وحضن هذه الطفلة وتلك، والتقط صوراً مع أطفال آخرين. وكأنه في حالة وداع أبدي.
قدرك يا "قدري" أن ترحل لتسكن إلى جوار ربك، فالموت حق وإن كان موجعاً، وقدرنا أن نعيش الألم والحزن من بعد رحيلك، وبرحيلك يا عمي "أبو فادي" أظلمت هيئة شؤون الأسرى والمحررين حزناً، وفي السجون أضفت ظلمة على ظلمتها ألماً، وأوجعت شعب أحبك، لكن بقيّ وجهك الطيب يشع نوراً في عيون الزملاء وعيون كل من عرفك، وسنبقى جميعاً نستلهم من مواقفك النضالية والإنسانية والوطنية، ونستحضر سيرتك الطيبة، وما تركته لنا ولشعبك من إرث نضالي ووطني وثقافي.
الله يرحمك ياعمي أبو فادي ويحسن إليك ويسكنك فسيح جناته ويلهم أسرتك وعائلتك ومحبيك الصبر والسلوان. وإنا لله وإنا إليه راجعون.
عن المؤلف:
عبد الناصر فروانة: أسير محرَّر، ومختص بشؤون الأسرى والمحررين، وعضو المجلس الوطني الفلسطيني، رئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحرَّرين، وعضو لجنة إدارة هيئة الأسرى في قطاع غزة. ولديه موقع شخصي اسمه: فلسطين خلف القضبان.
 
 
 
 
 
 
 
 

العيد في السجن.. غاب الأسرى وحضرت ذكرياتهم

في . نشر في مقالات

العيد في السجن.. غاب الأسرى وحضرت ذكرياتهم
*بقلم/ عبد الناصر عوني فروانة
29 يونيو 2023
قضيت أعياداً كثيرة بين جدران السجون، وعشرات الأعياد الأخرى وأنا ابنٌ أو أخٌ لأسير يقبع بعيداً في ظلمة سجون الاحتلال. وفترة العيد تختلف من سجن إلى آخر، ومن مرحلة عمرية إلى أخرى. وفي العيد يتجدد الألم، فيغيب الأسرى وتحضر ذكرياتهم، ونجتهد لوصف الألم، ورسم صورة قلمية للواقع الأليم الذي يعيشه أسرانا وذويهم في العيد. فتجدنا نعتمد، تارة، على ما تحفظه الذاكرة من مشاهد وذكريات، وتارة أخرى نستند إلى ما يصلنا حديثاً من خلف القضبان عبر رسائلهم المهربة، أو لما يُنقله إلينا المحامون وما نستمع إليه من حكايات يرويها لنا ذوو الأسرى. فالاحتفالات بالأعياد تحمل مذاقاً مختلفاً لدى الأسرى الفلسطينيين وعوائلهم، حيث مشاعر الفرح والسعادة تكون دائماً ممزوجة بالألم والحزن، ولا يحسّ بها سوى من ذاق مرارة الاعتقال وتأثيراته، ولا أظن أن أحداً من الفلسطينيين قد مرّ بالتجربة، ونسى كيف ينقضي العيد في السجن، أو في ظل وجود حبيب وراء القضبان، فالذاكرة الفردية لا زالت تحتفظ الكثير مما ألمّ بنا من وجع ومرارة!.
يعيش الأسرى داخل السجون المحاطة بالجدار الشاهقة وداخل الغرف المغلقة ظروفاً صعبة، ويُعاملون بقسوة ولا إنسانية. والعيد في السجون مناسبة إسلامية سعيدة، لكنها ثقيلة ومؤلمة، وتمر ساعاتها المعدودة وأيامها المحدودة ببطء شديد، والحياة والمشاعر فيها مختلفة، فيضطر الأسرى لإحياء المناسبة بطقوس خاصة، حيث صناعة الحلوى وفقاً للإمكانيات المتاحة، والاستيقاظ المبكر صبيحة العيد، والاستحمام وارتداء أجمل الملابس، والخروج إلى الفورة (الساحة) لأداء صلاة العيد، ومن ثم يصطفون بشكل دائري في الفورة، ويصافحون بعضهم البعض، ويتبادلون التهاني، ويوزعون كعك وحلوى صنعتها أيديهم، وما هو متوفر لديهم وما تمكنوا من شرائه من مقصف السجن من الشوكولاتة والتمر، كما وتُلقى الكلمات وعبارات التهنئة والخطب القصيرة.
وفي كثير من الأحيان تمنع إدارة السجن صلاة العيد بشكل جماعي في ساحة القسم، وترفض تخصيص زيارة للأهل، أو الاتصال بهم هاتفياً. وفي أحيان أخرى تعرقل الزيارات فيما بين الغرف والأقسام الداخلية، أو تتعمد استفزاز الأسرى من خلال اقتحام الأقسام وإجراء التفتيشات الاستفزازية والاعتداء عليهم أو التنكيل بهم، دون احترام لمشاعرهم.
وفي العيد يضطر الأسرى لاستحضار شريط ذكرياتهم، بما حمله من مشاهد ومحطات مختلفة. فبعض الأسرى ينطوون لساعات طويلة في زوايا الغرف الصغيرة، والبعض الآخر يشرع في ترجمة ما لديه من مشاعر على صفحات من الورق، ليخطّ بعض القصائد والرسائل على أمل أن تصل لاحقاً إلى أصحابها، وقد لا تصل وتبقى حبراً على ورق، فيما الدموع تنهمر من عيون بعضهم حزناً وألماً على ما أصابهم وأصاب عائلاتهم. وهناك المئات من الأسرى قد استقبلوا عشرات الأعياد بين جدران السجن، ومنهم من احتفل بالعيد مع أبنائه خلف القضبان، ومن بين الأسرى من فقدوا أحبة لهم وهم في السجن، وتبخر الأمل في الاحتفاء بالعيد مع آبائهم وأمهاتهم وأعزاء على قلوبهم الذين غادروا دنيانا للأبد.
والعيد مناسبة لا تقل ألماً بالنسبة لذوي الأسرى وأفراد أسرهم، حيث تعيش العائلات لحظات من الألم والوجع بسبب غياب الأحبة، وهو ما يجعل العائلة تفقد مشاعر الفرح جراء سجنهم، فتضطر لاستحضار ذكرياتهم، ويدفع الأفراد للمطالبة بأن يُسمح لهم بالتوافد إلى بوابات السجون للزيارة ولقاء الأحبة ولو لدقائق معدودة. خاصة وأن الزيارات غير منتظمة، وآلاف من الأهالي ممنوعين من الزيارة تحت ذرائع وحجج مختلفة.
ويحل عيد الأضحى هذا العام وأوضاع الأسرى وظروف احتجازهم، تزداد قسوة، خاصة بعد قدوم الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة وتسلم المتطرف "بن غافير" وزارة الأمن، الأمر الذي أدى إلى تدهور الأوضاع وسوء المعاملة واتساع حجم الانتهاكات والجرائم الإسرائيلية.
وفي غمرة الفرحة بالعيد، ندعوكم للإكثار من الدعاء للأسرى، والمبادرة في زيارة أسرهم والسعي للتخفيف من آلامهم ومعاناتهم. وتذكروا أن هناك قرابة (5000) أسير، يقبعون في سجون الاحتلال، ولكل واحد من هؤلاء قصة وحكاية، وأن من بينهم (30) أسيرة، و(160) طفلا، وأكثر من (1000) معتقل إداري، ونحو (700) أسير/ة يعانون أمراضاً مختلفة، بينهم عشرات من ذوي الاحتياجات الخاصة ومرضى السرطان و كبار السن.
وتذكروا أيضا أن من بين الأسرى يوجد نحو (430) أسيراً معتقلين منذ ما يزيد عن 20عاماً في سجون الاحتلال على التوالي، وهذا الرقم مرشح دوماً للارتفاع، أقدمهم الأسير محمد الطوس "ابا شادي" المعتقل منذ عام 1985. بالإضافة إلى عشرات آخرين كانوا تحرروا في صفقة وفاء الأحرار (شاليط) عام2011، وأعيد اعتقالهم عام 2014، وأبرزهم الأسير نائل البرغوثي الذي أمضى أكثر من 42 سنة على فترتين ولا يزال في السحن؛ وهؤلاء قضوا في السجن عشرات الأعياد، ما بين فطر وأضحى.
وفي الختام، لابد وأن نُسجل جُل احترامنا وتقديرنا للمملكة العربية السعودية، التي منحت المئات من أهالي الأسرى الفرصة في أداء فريضة الحج لهذا العام، ضمن مكرم خادم الحرمين الشريفين، التي شملت (1000) حاج من ذوي الشهداء والأسرى الفلسطينيين، وزعت مناصفة فيما بينهم، الأمر الذي بعث بالسعادة في نفوس الأسرى وعائلاتهم وخفف من معاناتهم. كما ونُسجل أيضاً شكرنا وتقديرنا العظيم لكل من ساهم في إنجاح ذلك.
نسأل الله عز وجل أن يفرج الله كربهم، وأن يفك أسرهم جميعاً ويعيدهم إلى أهلهم سالمين غانمين. وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ قُلْ عَسَىٰ أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا.
*عبد الناصر عوني فروانة: أسير محرَّر، ومختص بشؤون الأسرى، وعضو المجلس الوطني الفلسطيني، ورئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحرَّرين، وعضو لجنة إدارة هيئة الأسرى في قطاع غزة. ولديه موقع شخصي اسمه: فلسطين خلف القضبان.
 
 
 
 
 
 
 

في حضرة يوم الأسير العربي 22نيسان *بقلم/عبد الناصر عوني فروانة

في . نشر في مقالات

 
 
لم تكن القضية الفلسطينية في يومٍ من الأيام، قضية تخص الفلسطينيين وحدهم، بل هي قضية العرب وشعوبها الحية، لذا شارك العرب ذكورا واناثا ومن مختلف الجنسيات العربية إخوانهم الفلسطينيين في مقاومة المحتل الإسرائيلي، ولأجلها ودفاعاً عنها قدّم العرب آلاف الشهداء والأسرى، إذ لم تخلُ دولة عربية من المشاركة في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، فيما السجون الإسرائيلية كانت تضم دوما أسرى عرب، فكان هناك أسرى مصريون ولبنانيون وأردنيون وسوريون وعراقيون ومغربيون وسودانيون وجزائريون وتونسيون وسعوديون وليبيون وغيرهم. كما وأن قائمة شهداء الحركة الأسيرة لم تخلُ هي الأخرى من الأسرى العرب.
ولعل ما لا يعرفه الكثيرون أن ثمة (أسرى عرباً) ما زالوا هناك خلف قضبان سجون الاحتلال الإسرائيلي ويبلغ عددهم اليوم نحو (19) أسيراً عربياً، وأن جميع هؤلاء هم أردنيون، بعضهم يحمل الجنسية الأردنية، والبعض الآخر من أصول فلسطينية ولديهم أرقاما وطنية أردنية. وأن من بينهم (9) أسرى يقضون أحكاما بالسجن المؤبد (مدى الحياة) لمرة واحدة أو لعدة مرات، وأنهم يتلقون ذات المعاملة القاسية ويتعرضون لذات الانتهاكات والجرائم الإسرائيلية، وان إدارة السجون لم تميز يوماً في تعاملها وقمعها بين أسير فلسطيني وآخر عربي، ولربما معاناة الأسرى العرب تفوق معاناة الأسرى الفلسطينيين بسبب حرمان الغالبية العظمى منهم من رؤية عائلاتهم على مدار سنوات طويلة من سجنهم، ومنهم من حرم من رؤية أفراد عائلته طوال سنوات اعتقاله الطويلة. الأمر الذي دفع أمهات فلسطينيات إلى ابتداع ما يُعرف بـ "ظاهرة التبني" للتخفيف من معاناتهم وتقليل آثار الحرمان، وهذا ما أدى إلى توطيد العلاقة وأواصر المحبة بين الأسرى العرب والعائلات الفلسطينية.
لقد أبدى الشعب الفلسطيني تعاطفه الكبير مع الأسرى العرب، وأولى لهم تقديراً عالياً لنضالاتهم وفخراً بتضحياتهم، وتعامل معهم باعتبارهم جزءا أصيلاً لا يتجزأ من الحركة الوطنية الأسيرة وتاريخها، وأصبح يحيي سنوياً يوماً خاصاً بهم هو (يوم الأسير العربي) الذي يصادف الثاني والعشرين من نيسان/أبريل من كل عام، وهو اليوم الذي اعتمدته الحركة الأسيرة، أواخر ثمانينات القرن الماضي، بالتوافق فيما بين الأسرى الفلسطينيين والعرب آنذاك، تكريماً لهم ووفاء لتضحياتهم، وهو اليوم الذي اعتقل فيه الأسير العربي اللبناني سمير القنطار عام 1979، وكان حينها هو الأقدم من بين الأسرى العرب.
ويُعتبر "القنطار" الأكثر قضاء للسنوات في السجون الإسرائيلية بشكل متواصل من بين الأسرى العرب، حيث أمضى ما يزيد عن 29 سنة قبل أن يتحرر في صفقة التبادل عام 2008، ويستشهد في غارة اسرائيلية استهدفت العمارة السكنية التي كان متواجد فيها في "جرمانا" القريبة من العاصمة السورية "دمشق"، وذلك في مساء التاسع عشر من كانون أول/ديسمبر 2015. فيما يُعتبر الأسير العربي السوري صدقي المقت، من هضبة الجولان السورية المحتلة، الأكثر قضاء للسنوات في سجون الاحتلال على فترتين، حيث أمضى ما مجموعه 32 سنة، قبل أن يتحرر من الاعتقال الثاني في يناير 2020.
و"الأسرى العرب" هو المصطلح الذي يُطلق على الأسرى العرب (غير الفلسطينيين) الذين يحملون جنسيات عربية مختلفة، وهنا لابد من التوضيح إلى أن الأسرى العرب وأسرى الدوريات، هما مصطلحان مختلفان، لكنهما متشابكان، إذ ليس كل أسرى الدوريات الذين جاءوا من خارج الوطن هم أسرى عرب، وليس كل الأسرى العرب الذين اعتقلوا قد جاءوا وقاوموا المحتل عبر الدوريات. ان غالبية أسرى الدوريات هم من فلسطينيي الشتات، وشاركهم في ذلك أسرى عرب، فيما بعض الأسرى العرب قاوموا المحتل بعيدا عن الدوريات، واعتقلوا دون أن يكونوا ضمن الدوريات.
و لعل من فضائل السجن، أنه أتاح لنا فرصة الالتقاء والتعرف على الكثير من الأسرى العرب وعائلاتهم من بلدان وجنسيات عربية مختلفة، ولولا الاعتقال والسجن لما التقيناهم وتعرفنا عليهم، ولما نشأت فيما بيننا علاقات وصداقة نفخر بها ونعتز بوجودها كأسرى محررين.
ان كافة الاسرى العرب، ذكورا واناثا، يشكلون مفخرة للشعب الفلسطيني. فهم الذين سطروا بجانب إخوانهم الفلسطينيين أروع صفحات الوحدة والتلاحم والنضال العربي المشترك في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. وهم من سطروا معهم صفحات مضيئة خلف القضبان. لذا ستبقى الذاكرة الفلسطينية تحفظ أسماءهم عن ظهر قلب. وكيف للذاكرة الفلسطينية أن تنساهم، وهم جزء من التاريخ الفلسطيني وجزء أصيل من تاريخ عريق سجلته الحركة الوطنية الأسيرة خلف قضبان سجون المحتل، وخطت حروفه بالألم والمعاناة ودماء الشهداء.
وفي حضرة الوفاء للأسرى العرب، لا يسعني إلا أن أتوجه بخالص تحياتي وجل احترامي وتقديري إلى كافة الأسرى العرب في سجون الاحتلال الإسرائي ولكل الأصدقاء والأشقاء من الأسرى المحررين الذين انخرطوا في النضال من أجل فلسطين ومرّوا بتجربة الاعتقال وذاقوا مرارة السجان الإسرائيلي، على اختلاف جنسياتهم وأينما تواجدوا هذه الأيام. فالتاريخ يحفظ أسماءهم، والشعب الفلسطيني لن ينسى وقفتهم ومشاركتهم ونحن ومعنا كافة الأحرار سنبقى أوفياء لهم ولتضحياتهم، فهم مكون أساسي من مكونات الحركة الأسيرة، وجزء أصيل من مسيرة الكفاح ومقاومة المحتل من أجل فلسطين ومقدساتها.
*عبد الناصر فروانة: أسير محرَّر، ومختص بشؤون الأسرى، وعضو المجلس الوطني الفلسطيني، ورئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحرَّرين، وعضو لجنة إدارة هيئة الأسرى في قطاع غزة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

لماذا أبكرت الرحيل يا أبا فادي؟ كتب الأسير قتيبه مسلم – عميد أسرى محافظة نابلس رئيس اللجنة التعليمية العليا – سجن جلبوع

في . نشر في مقالات

لماذا أبكرت الرحيل يا أبا فادي؟
وسط لهيب الأجواء الحارة في سجن جلبوع المركزي – قلعة الشهداء حيث نعيش الارهاق اليومي لأجسادنا وغربتنا سقط علينا خبر رحيل القائد الرمز قدري أبو بكر راضياً مرضياً مطمئن إلى جوار ربه كشظايا حمم بركانية تحرق الأرض من تحت أرجلنا بكت عيوننا وقلوبنا دمعاً ودماً لهذا الفقدان لأهم فرسان وقادة الصمود قادة الفعل النضالي الذي كان طلائعياً ومؤسساً للحياة التنظيمية داخل السجون الصهيونية ومثلت كتاباته الحركية التنظيمية مرجعاً وطنياً وتنظيمياً لكافة الأجيال من أسرى فلسطين.
وأول مرة سمعتُ باسمه ودوره وتاريخه وعطائه من قبل الأخ القائد القدوة المرحوم محمد لطفي أبو لطفي الذي مثل لنا عام 1984 في سجن نابلس القديم مدرسة ثورية ورمزاً للبناء الثقافي والتنظيمي حيث أخذنا العديد من الجلسات عن المؤسسين الأوائل ومن ضمنهم القائد قدري أبو بكر – أبو فادي وكذلك تحدث عنه كثيراً الأخ شريف أبو راس ولاحقاً في سجن جنيد المركزي كان اسم الأخ قدري أبو بكر عنوان بطولة اعتقالي وكأبرز المؤسسين التنظيميين لواقع الأسر المنظم ومعه القادة الكبار أمثال الأخ أبو علي شاهين وعبد الحميد القدسي وهشام عبد الرازق وأبو سليم الذريعي وجبريل الرجوب – أبو رامي وجمال الشوبكي وعمر القاسم وقدورة فارس وآخرين لا يتسع المجل لذكرهم من الطلائع والقادة الذين استطاعوا بناء الحياة التنظيمية داخل السجون.
وشاءت الأقدار أن ألتقي بالأخ أبو فادي وتتطور علاقتنا منذ عام 1996 حيث تم إطلاق سراحي في صفقات السلطة الوطنية الفلسطينية وانضممتُ إلى جهاز الأمن الوقائي حيث كان لقاءنا الأول في مقر الجهاز في أريحا لأكثر من مرة في ظل وجود اللواء زياد هب الريح.
عرفتُ الأخ أبو فادي رمزاً وصديقاً وأخاً متواضعاً وسيداً للصدق والانتماء والطهارة لم تأخذه الدنيا وبقي عين فلسطين والثورة يعطي بكل إمكانياته لأجل الأسرى والوطن والقضية.
فلماذا أبكرت الرحيل يا سيد العطاء والتضحية أو تعلم أنّ جدران السجون الصماء انحت باكية على بكاء من عرفوك لأنها تخشع في حضرة رحيلك المفاجئ عليك رحمة الله يا أخانا الكبير وإليك دعاء كل الساجدين الصادقين وستبقى قمراً يضيء عتمة ليلنا كأبرز قادة العطاء الثوري.
سلام لروحك التي تسافر وتأخذ معها حكاية قائد وطني صدق العهد والوعد ولن ننساك يا أبا فادي يا روح فتح ونبض عزتنا الشامخ.. سلام لتواضعك وطهارتك وأنت ترحل رحيلك الأخير لتبقى حكاية بطولة تسطرها الأجيال وإلى لقاء الشهداء الاتقياء الشامخين.
سجن جلبوع المركزي
الأسير قتيبه مسلم – عميد أسرى محافظة نابلس
رئيس اللجنة التعليمية العليا – سجن جلبوع

قضية الأسرى تعود إلى ما قبل النكبة المؤلف:عبد الناصر فروانة رئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة الاسرى والمحررين وعضو لجنة ادارة الهيئة في قطاع غزة

في . نشر في مقالات

 
تشكل قضية الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، معلماً من معالم القضية الفلسطينية وجزءاً أصيلاً من التاريخ الفلسطيني المقاوم والمكافح. وقد التصقت بكفاح الشعب الفلسطيني ونضاله ضد الاستعمار على مدار عشرات السنين من أجل استعادة حقوقه المسلوبة ونيل حريته المنشودة، لذا، فإننا نخطئ القول والوصف، تاريخياً وسياسياً، إن تناولنا الاعتقالات منذ سنة 1967، في سياق سردنا التاريخ الفلسطيني.
 
إن قضية الأسرى والمعتقلين ليست مرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي لبقية الأراضي الفلسطينية عقب هزيمة 1967؛ كما لم يرتبط وجود السجون والمعتقلات في وعي الفلسطيني بزمن إسرائيلي معين، وإنما يعود تاريخ نشأتها إلى ما قبل ذلك بسنوات طوال، وما يسبق نكبة 1948 بكثير. وأن جذورها تمتد إلى ما قبل وعد "بلفور" المشؤوم في 2 تشرين الثاني/نوفمبر 1917.
أما إن كان الحديث مقتصراً على تناوُل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، فلا بأس أن يبدأ الحديث من "النكبة" سنة 1948، ومن الخطأ استسهال الأمر وتناوُل الاعتقالات منذ استكمال الاحتلال الإسرائيلي لبقية الأراضي الفلسطينية عقب "هزيمة" 1967، أو ما يُطلق عليها اسم "النكسة".
وبناءً على تلك الحقائق، فإن الرواية الفلسطينية يجب أن تبدأ من حيث نشأت القضية، ومنذ أن عرف الفلسطيني سجون الاستعمار ووقع فيها أسيراً، وأن مسيرة الاعتقالات، عبر مراحلها الزمنية المتسلسلة، يجب أن تؤرَّخ في الموسوعة الفلسطينية بشكل متكامل، حتى تبقى الحقيقة راسخة في الوعي الجمعي، الفلسطيني والعربي، للأجيال المتعاقبة والشعوب الحرة، وما زال ذلك اليوم الذي يوثّق فيه الفلسطينيون مجمل الاعتقالات ينتظر القدوم.
لذا، من الأهمية بمكان تناوُل قضية الأسرى والمعتقلين منذ بداياتها الأولى في سياق سردنا التاريخ الفلسطيني، من دون استبعاد أو تغييب الفترة الممتدة ما بين "وعد بلفور(1917) و"نكبة" 1948، أو الفترة الممتدة من "نكبة" 1948 و"هزيمة" 1967، من حيث الأحداث والمسؤولية التاريخية لكلٍّ من بريطانيا والمحتل الإسرائيلي. إذ من الملاحظ أن الرواية الفلسطينية تنتقل مباشرة في سردها التاريخ من سنة 1917 إلى سنة 1948، من دون التطرق إلى تفاصيل تلك المرحلة، أو حتى التوقف أمام المحطات المفصلية خلال فترة الانتداب البريطاني، فدائماً ما يتم الحديث عن "وعد بلفور" وتحميل بريطانيا المسؤولية عمّا ترتّب عليه من احتلال فلسطين وقيام دولة الاحتلال الإسرائيلي على جزء كبير من الأراضي الفلسطينية؛ من دون التطرق إلى ما اقترفته بريطانيا نفسها خلال تلك الفترة بحق الفلسطينيين.
وهنا ليس المطلوب من بريطانيا الاعتذار فقط، أو السعي لمعالجة ذاك الخطأ التاريخي، ومسح آثاره، ومعالجة ما ترتب على "وعد بلفور" من مآسٍ فحسب، وإنما على بريطانيا أن تتحمل المسؤولية الكاملة عمّا اقترفته من انتهاكات وجرائم بحق الفلسطينيين خلال الفترة 1917-1948، بما في ذلك الاعتقالات وعمليات الاحتجاز الجماعي التي شكلت ظاهرة خطِرة، وأن تلك الحقبة الزمنية بحاجة إلى كثير من الجهد الجماعي في مجال البحث والتوثيق من جانب الباحثين والمؤرخين، وحتى من السياسيين والحقوقيين.
إن المتتبع لتلك الحقبة التاريخية (1917-1948) يلحظ، وبوضوح، كم كانت المأساة كبيرة والجرائم فظيعة، التي اقتُرفت في عهد الانتداب البريطاني بحق المعتقلين الفلسطينيين الذين يقدّر المؤرخون والباحثون أعدادهم بعشرات الآلاف، إذ لجأت سلطات الانتداب البريطاني إلى استخدام سياسة القبضة الحديدية والعنف والقسوة والقمع الهمجي في معاملتها للفلسطينيين،[1] وأن هذه السياسة كانت تتصاعد كلما انتفض الفلسطينيون، وقد انتفضوا كثيراً، رفضاً للظلم، وإن تصاعدت كانت تتسع معها حملات الاعتقال والتعذيب الوحشي والجَلد بالعصا إلى درجة الموت، وفرك الخصيتين وحرق القدمين وإدخال الخوازيق، ودفع الماء بمضخة من الأنف إلى الجوف، وتعريض المعتقلين لنهش الكلاب، وتعليق المعتقل في السقف،[2] بالإضافة إلى عمليات القتل العمد والإعدام، وأن إعدام الشهداء الثلاثة، فؤاد حجازي وعطا الزير ومحمد جمجوم في سنة 1930، كان مثالاً، لكنه لم يكن الأول، وليس الأخير خلال تلك الحقبة.
بينما ورثت دولة الاحتلال الإسرائيلي عن الانتداب البريطاني الكثير من السجون والمعتقلات، السيئة الصيت والسمعة، كما ورثت العديد من القوانين المجحفة والقرارات الظالمة، لعل أبرزها "الاعتقال الإداري"، الذي بات على يد الاحتلال أداة للانتقام ووسيلة للعقاب الجماعي، وجزءاً أساسياً في تعامُله مع الفلسطينيين.
أما المرحلة التي أعقبت النكبة سنة 1948، فهي مهمشة وغائبة-إلى حد ما-عن سجلات ووثائق تاريخ الحركة الفلسطينية الأسيرة، وعندما يعكف الباحثون على توثيق هذا التاريخ، تراهم يستهلونه من بداية الاحتلال لبقية الأراضي الفلسطينية سنة 1967، ثم لا يتم التطرق إلى تلك الحقبة المهمة بما تستحقه، وإن تمت الإشارة إلى الاعتقالات، فإنها تكون بإشارات محدودة وعابرة، وتكاد لا تُذكر.
إن المرحلة التي أعقبت نكبة 1948 وحتى الخامس من حزيران/يونيو 1967، كانت الأكثر خطورة وإجراماً وقسوة وبشاعة بحق المعتقلين الفلسطينيين والعرب، وأن الاعتقالات في تلك المرحلة كانت جماعية وعشوائية، وأن قوات الاحتلال كانت تزجّ بالمواطنين الأبرياء في معسكرات اعتقال يشرف عليها أعضاء من منظمات "الأرغون" و"شتيرن" و"الهاغاناه"، مثل معتقلات عتليت وصرفند وحيفا وعكا ونفيه شأنان، الأمر الذي يوضح طبيعة المعاملة القاسية والسيئة التي كان يتلقاها المعتقلون بداخلها.
وقد اتصفت تلك المرحلة بالعنف والتعذيب الجسدي، وأن النهاية المحتومة لأغلبية الأسرى والمعتقلين في تلك الفترة، كانت القتل والدفن في حفر صغيرة وكبيرة داخل مقابر جماعية، ومن دون علم ذويهم الذين اعتبروهم، حينها، في عداد المفقودين، وفقاً لروايات وشهادات مَن نجوا من الفلسطينيين. بينما تشير الحقائق والوقائع والشهادات إلى أن العصابات الصهيونية قامت بعمليات اغتصاب للنساء الفلسطينيات والاعتداء عليهن، بعد إلقاء القبض عليهن، وغالباً ما يتم قتل النساء بعد اغتصابهن، وتحدث شهود عيان عن الطريقة القاسية والمهينة التي كانت النساء يجرَّدن بها من مصاغهن ومضايقتهن جسدياً، بعد اعتقالهن خلال حرب 1948، ولعل كتاب "أسرى بلا حراب" يتناول جزءاً من تلك الوقائع المؤلمة والشهادات القاسية.[3]
إن الاعتقالات الإسرائيلية للفلسطينيين لم تتوقف يوماً، وقد سُجل منذ النكبة سنة 1948 أكثر من مليون حالة اعتقال، شملت كافة فئات وشرائح المجتمع الفلسطيني، ذكوراً وإناثاً، صغاراً وكباراً، حتى باتت فلسطين كلها خلف القضبان، وبتنا نطلق على فلسطين بلد المليون أسير، كما لم يعد هناك بقعة جغرافية في فلسطين التاريخية إلا وأقامت عليها سلطات الاحتلال سجناً، أو معتقلاً، أو مركز توقيف، حتى أضحت الاعتقالات جزءاً أساسياً من منهجية الاحتلال الإسرائيلي في السيطرة على الشعب الفلسطيني، والوسيلة الأكثر قمعاً وقهراً وخراباً للمجتمع الفلسطيني. إلا إن تلك الاعتقالات، وعلى الرغم من مرارتها، وما تلحقه من ضرر بالفرد والأسرة والمجتمع الفلسطيني، لم ولن توقف مسيرة الشعب الفلسطيني وكفاحه من أجل الحرية والاستقلال.
[1] عدنان أبو عامر، "المقاومة الفلسطينية للانتداب البريطاني".
[2] المصدر نفسه.
عن المؤلف:
عبد الناصر عوني فروانة: أسير محرَّر، ومختص بشؤون الأسرى، وعضو المجلس الوطني الفلسطيني، ورئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحرَّرين، وعضو لجنة إدارة هيئة الأسرى في قطاع غزة. ولديه موقع شخصي اسمه: فلسطين خلف القضبان.
 
 
 
 
 
 

في يوم الطفل الفلسطيني بقلم/عبد الناصر فروانة

في . نشر في مقالات

في يوم الطفل الفلسطيني
بقلم/عبد الناصر فروانة
رئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة الاسرى والمحررين
عضو لجنة ادارة الهيئة في قطاع غزة
5 ابريل2023
لقد دفع الأطفال الفلسطينيون ثمناً باهظاً جراء الاعتقالات الاسرائيلية على مدار سني الاحتلال، ومن يقرأ شهادات من مرّ منهم بالتجربة يُصاب بالذهول والصدمة، ويكتشف أن مراكز الاحتجاز وأقبية التحقيق، ليست سوى مسلخ للطفولة الفلسطينية وافتراس لكل ما هو جميل ورائع في حياتهم، وأن ما تضمنته الاتفاقيات الدولية من نصوص جميلة ذات علاقة بحقوق الطفل ليس له مكانة على أجندة الاحتلال حين يكون الأمر متعلقاً بالأطفال الفلسطينيين.
ويُقدر عدد من اعتقلتهم سلطات الاحتلال الإسرائيلي منذ العام 1967 بما يزيد عن (50.000) طفل فلسطيني، ذكوراً وإناثاً، دون مراعاة لصغر سنهم وضعف بنيتهم الجسمانية، ودون توفير الحد الأدنى من احتياجاتهم الأساسية والإنسانية. كما لم تحترم القواعد النموذجية الدنيا في معاملة الأطفال الفلسطينيين المحتجزين في مراكز الاعتقال والتوقيف، بهدف تشويه واقعهم وتدمير مستقبلهم والتأثير على توجهاتهم المستقبلية بصورة سلبية وخلق جيل مهزوز ومهزوم.
وواصلت سلطات الاحتلال اعتقالاتها للأطفال، في كل الاوقات والأزمنة ودون توقف، حيث جعلت من اعتقال الأطفال الفلسطينيين الملاذ الأول ولأطول فترة ممكنة، بخلاف ما تنص عليه الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان وتحديداً اتفاقية حقوق الطفل. وقد سُجل اعتقال نحو (882) طفلا خلال العام المنصرم 2022، فيما اعتقلت سلطات الاحتلال ما يزيد عن (250) طفل منذ مطلع العام الجاري، جُلهم من القدس، ومازالت تحتجز في سجونها ومعتقلاتها قرابة (170) طفلاً في ظروف صعبة.
ويعمد الاحتلال إلى اعتقال الأطفال من منازلهم ليلًا، وأحياناً يتم اعتقالهم وهم يلعبون في الشوارع أو وهم في طريقهم إلى المدارس، ويزج بهم في السجون والمعتقلات، ويُحتجزهم في ظروف سيئة للغاية وضمن شروط حياتية قاسية، ويُعاملهم معاملة لا إنسانية وأحياناً يُعاملهم بقسوة وعنف، ويُحرمهم من أبسط الحقوق. كما ويعرضهم لصنوف مختلفة من التعذيب الجسدي والنفسي، وتُشير الاحصائيات الى ان جميع الاطفال الذين مرّوا بتجربة الاعتقال، تعرضوا لشكل او أكثر من اشكال التعذبب الجسدي او النفسي، هذا بالإضافة إلى فرض الاحكام القاسبة والغرامات المالية الباهظة، و نكاد نُجزم هنا بأن جميع الأحكام التي صدرت بحق الأطفال تكون مقرونة بفرض غرامات مالية باهظة.
وخلال السنوات الأخيرة ناقش الكنيست الإسرائيلي (البرلمان) وأقر العديد من القوانين التي تستهدف الأطفال الفلسطينيين، وتهدف الى تغليظ الأحكام الصادرة بحقهم.
إن كافة الوقائع والشهادات تؤكد على أن دولة الاحتلال الإسرائيلي بكل مكوناتها تشارك في استهداف الأطفال الفلسطينيين، في إطار سياسة إسرائيلية ثابتة وممنهجة تهدف إلى تشويه واقع الطفولة الفلسطينية وتدمير مستقبلها. الأمر الذي يستوجب من الجميع، تدارك خطورة ما تقترفه دولة الاحتلال بحق الأطفال الفلسطينيين، والعمل على حماية الاطفال من خطر الاعتقال وتأثيراته.
يُذكر أنه في الخامس من نيسان عام 1995، وفي مؤتمر الطفل الفلسطيني الأول، أعلن الرئيس الراحل ياسر عرفات التزامه باتفاقية حقوق الطفل الدولية، وأعلن الخامس من نيسان يومًا للطفل الفلسطيني؛ علما بأن المصادقة الرسمية لدولة فلسطين على اتفاقية حقوق الطفل الدولية كانت في 2 نيسان 2014م.
*عبد الناصر فروانة: أسير محرر ومختص بشؤون الأسرى والمحررين، وعضو المجلس الوطني الفلسطيني، ورئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحررين، وعضو لجنة إدارة هيئة الأسرى في قطاع غزة، وله موقع شخصي مختص بشؤون الأسرى "فلسطين خلف القضبان".
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

اللواء قدري ابوً بكر عنوان ناصع لقضية الاسرى كتب حسان البلعاوي

في . نشر في مقالات

اللواء قدري ابوً بكر عنوان ناصع لقضية الاسرى
كتب حسان البلعاوي
كثيرون هم من عرفوا عن قرب القائد الراحل الاسير المحرر اللواء قدري ابوبكر ،ان كان في بداية عمله الفدائي عندما كان فتا صغيرا ،في بدايات الثورة الفلسطينية ،اوً خلال فترة أسره السبعة عشر عاما ،في سجون الاحتلال او خلال عمله في موسسات منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية والتي كان اخرها قيادة هيئة شوون الاسرى والمحررين ،ولكني بتواضع شديد ،عرفته خلال زيارته لمرتين اثنين الى بروكسيل رفقة اخوة مناضلين اجلاء كانوا هم ايضآ اسرى في سجون الاحتلال وهم عبد الناصر فروانة وثائر شريح .
أتى الأخ ابوً فادي وزملائه ليشرحوا قضية الأسرى ومعاناتهم ومطالبهم بالحرية لصناع الراي العام في بلجيكا واوربا من مسؤولين بارزين في وزارة الخارحية الى اعضاء برلمان من كافة الكتل السياسية المؤيدة لنضال الشعب الفلسطيني الى اعضاء حركة التضامن ،ورابطة المحامين وابناء الجالية الفلسطينية والعربية .
تشرفت بمرافقته والترجمة له للغة الفرنسية ،ممثلا عن سفارة فلسطين في بلحيكا جنبا الى الإخوة عماد بدوي وحمدان الضميري مسؤولي الجالية الفلسطينية في بلجيكا .
كانوا اللواء قدري وزملائه يواصلون الليل بالنهار من اجتماعات وشرح لواقع الاسرى دون كلل او ملل .
كان لابوفادي أسلوب مؤثر وسلس في سرد تفاصيل إنسانية لقصص حية عن الاسرى ،تصلح كل قصة بالطريقة التي كان يرويها ،،موضوعًا لفيلم او رواية .
خلال وجوده في بروكسيل لم يتوقف الهاتف الجوال لأبو فادي عن الرنين مستقبلًا المكالمات الهاتفية من اسرى وذويهم وكان يعطي لكل مكالمة حقها من استماع ومتابعة .
رحمه الله رمزًا وفيًا من رموز ثورتنا الفلسطينية المعاصرة .
 
 
 
 
 
 

مَن هو الأسير وليد دقة؟

في . نشر في مقالات

مَن هو الأسير وليد دقة؟
بقلم/عبد الناصر فروانة
رئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الاسرى
عضو لجنة ادارة الهيئة في قطاع غزة
"ليس هناك أشد وأقسى من أن يعيش الإنسان إحساساً بالقهر والعذاب دون أن يكون قادراً على وصفه وتحديد سببه ومصدره. إنه الشعور بالعجز وفقدان الكرامة الإنسانية عندما يجتمع اللايقين بالقهر، فيبدو لك بأنه ليس العالم وحده قد تخلى عنك، وإنما لغتك قد خانتك من أن تصف عذابك وأن تعرفه، أو حتى أن تقول آخ.. آخ مفهومة ومدركة من قبل الآخر الحر."[1]
لم يكن الأسير وليد دقة يعاني أمراضاً خطِرة، حين خطّ تلك الكلمات في معالجته ما يتعرض له الأسرى الفلسطينيون من تعذيب ممنهج ومدروس. ولم يكن مصاباً بالسرطان حين وصف السجن بالمكان السيئ، وبأنه أحقر اختراع صنعته الإنسانية لمعاقبة الإنسان.[2] لكن وليد كان يعاني ألماً جماعياً، سبق أن عانته أجيال فلسطينية عدة، فتميز من غيره في إعادة تعريف التعذيب ورصد أساليبه المتطورة وتسليط الضوء على تفاصيله في كتابه "صهر الوعي".
المثقف والمفكر وليد دقة
برز الأسير وليد دقة على مدار سنوات أسره الطويلة كمناضل سياسي وكاتب متميز ومثقف ومفكر وقائد محنّك ومؤثر، ويُعتبر أحد أبرز مفكري ومثقفي الحركة الأسيرة، وواحداً من أبرز الأسرى الذين أبدعوا في كتاباتهم عن الحالة الفلسطينية. في أحد لقاءاته قال عن "الانقسام": "لا أبالغ إن قلت إنه، وعلى الرغم من أن مَن يغلق عليّ باب الزنزانة هو سجّان إسرائيلي، لكن الذي يصنع له مزيداً من الأقفال هو الانقسام الفلسطيني. تأمل المسألة جيداً، فهذه ليست بلاغة لغوية، وإنما هي حقيقة يجب أن نصرخ بها في وجه مَن ضلوا الطريق نحو الحرية."[3] ولعل وليد هو الأبرز على الإطلاق، والأكثر جرأةً وموضوعيةً، في وصفه حال وواقع السجون والمعتقلات الإسرائيلية عبر كتاباته الكثيرة ومقالاته المتنوعة، ومنها مقالة "الزمن الموازي" ورسائله المهربة من خلف القضبان، بالإضافة إلى مجموعة من الكتب والروايات، منها "يوميات المقاومة في جنين"، "صهر الوعي"، وروايتان لليافعين، وهما: "حكاية سر الزيت"، و"حكاية سر السيف"، أما حكاية "سر الطيف" فهي مخطوطة مسرحية.
والأسير المفكر وليد دقة، وعلى الرغم من سنوات السجن الطويلة والمرض الخبيث الذي أنهك جسده، فإن عقله ظل حراً، وبقى ملتصقاً بقضايا شعبه ورفاقه الأسرى، وما زال يكتب سرّ حكاية الآلاف من الأسرى الفلسطينيين الذين عانوا المرض والإهمال الطبي، والجرائم الطبية المتعمدة، وتعرضوا للقتل البطيء.
ولئن عانى الأسرى الفلسطينيون، من القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، جرّاء الاعتقال وظروف الاحتجاز وسوء المعاملة؛ فلقد عانت هذه الشريحة من الأسرى الفلسطينيين، من فلسطين المحتلة في سنة 1948، جرّاء سوء المعاملة والتمييز العنصري المضاعف؛ وبذا فقد دفعوا ثمناً باهظاً لهويتهم، جرّاء هذا الازدواج القسري للجنسية، وفي المقابل، أبدوا تشبثاً بالهوية والتصاقاً دائماً بالقضية الفلسطينية، وإصراراً على الحياة بكرامة، وناضلوا باستمرار لانتزاع حقوقهم المدنية والسياسية، ولعل يوم الأرض أحد الشواهد العديدة.
واعتقلت السلطات الإسرائيلية الآلاف من فلسطينيي الداخل بحجة الإخلال بالأمن العام، وعدم الالتزام بالقوانين الإسرائيلية، وهكذا نشأ مصطلح "أسرى الداخل"، وأصبحنا نرى معنا في السجون الإسرائيلية شباناً ورجالاً ونساء من الفلسطينيين الذين وُلدوا بعد النكبة، وينتسبون إلى حيفا ويافا واللد والناصرة وعكا والطيرة وعارة وعرعرة وباقة الغربية، وأم الفحم... وغيرها من الأسماء المنقوشة عميقاً ومنذ وقت مبكر في الذاكرة الجمعية الفلسطينية. وهكذا حفظنا أسماء الشهداء منهم، ورددت الألسن، بفخر وعزة، أسماء آخرين كثر، شكلوا نماذج مشرقة للحركة الوطنية الأسيرة في كافة المراحل والأزمنة. وبرز من بينهم القائد والمفكر وليد دقة.
من هو الأسير وليد دقة؟
وُلد وليد نمر أسعد دقة في 18تموز/يوليو 1961، لأسرة فلسطينية تتكون من ستة أشقاء وثلاث شقيقات، وتسكن في مدينة باقة الغربية في منطقة المثلث شمال فلسطين المحتلة سنة 1948.
تعلم وليد في مدارس البلدة، وأنهى دراسته الثانوية في باقة الغربية، انتقل إلى العمل في إحدى محطات تسويق المحروقات، وفي 25 آذار/مارس 1986، اعتقلته سلطات الاحتلال بتهمة الانتماء إلى الجبهـة الشعبـيـة لتحـرير فلسـطين وانتسابه إلى خلية فدائية عملت بهدف تحرير أسرى فلسطينيين، بالإضافة إلى حيازة أسلحة ومتفجرات بطريقة غير قانونية (بحسب التصنيف الإسرائيلي) واتهامه بالقيام بأعمال فدائية داخل الخط الأخضر. ثم حُكم عليه بالسجن المؤبد (مدى الحياة) في البداية، ولاحقاً، تم تحديده سنة 2012 بالسجن 37 عاماً، أمضاها كاملة. ولكن في سنة 2018، أصدرت المحكمة المركزية في بئر السبع قراراً يقضي بإضافة سنتين إضافيتين إلى حُكم الأسير وليد دقة، بادّعاء ضلوعه في إدخال هواتف نقالة للأسرى، وهو ما يعني تمديد الإفراج عنه إلى سنة 2025.[4]
تعرّض وليد خلال فترة سجنه لصنوف مختلفة من التعذيب الجسدي والنفسي، ولأشكال كثيرة من القهر والحرمان والتمييز العنصري، وتنقّل خلال سنوات سجنه الطويلة بين جدران سجون متعددة. إلا أنه وعلى الرغم من كل ذلك، فإنه شكّل ندّاً للسجّان، وبقي مناضلاً عنيداً وصلباً، وأسيراً شكّل على الدوام نموذجاً لمن عايشوه في السجون، ولرفاقه في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ولكل الفلسطينيين والأحرار في العالم أجمع.
واصل وليد دقة تعليمه وزيادة معارفه العلمية، فأنهى دراسته الجامعية في السجن، وحصل على درجة الماجستير في الديمقراطية السياسية، من خلال الانتساب عن بُعد إلى الجامعة العبرية المفتوحة، كأحد إنجازات إضراب 1992، وقبل أن توقفه إدارة السجون، ولكن الوعي والتأثير الفكري –كما يقول وليد- تصنعه أطر أوسع من الجامعة، أو المدرسة والأسرة.[5]
لم يتوقف نشاطه على القراءة والكتابة، ولم يكتفِ بدور المثقف وتثقيف الآخرين ونقل التجربة إلى المحيط، وإنما تعدى الأمر ذلك، وساهم معرفياً في فهم تجربة السجن ومقاومتها، ويشارك إخوانه ورفاقه في تفاصيل الحياة اليومية ونسج علاقات وطنية صادقة مع الجميع، وشارك في كافة أشكال المواجهة مع السجّان، بما فيها الإضرابات المفتوحة عن الطعام، ذوداً عن كرامة الأسرى، ودفاعاً عن حقوقهم، وتمسّكاً بإنجازات الحركة الأسيرة ومكتسباتها.
ونظراً إلى دوره اللافت وحضوره المؤثر وثقافته المتميزة والكاريزما العالية التي يتمتع بها، فإنه ظلّ في دائرة الاستهداف الإسرائيلي، إذ أقدمت إدارة السجون على عزله مرات عديدة في زنزانة انفرادية، في محاولة يائسة لكسر إرادته والتأثير السلبي فيه، والحد من تأثيره الإيجابي في الأسرى الآخرين.
قاوم وليد كل أشكال القهر والحرمان، وأفشلَ مخططات الاحتلال التي أرادت النيل من عزيمته والحد من تأثيره، لا بل استطاع تسجيل انتصارات عديدة على مدار سنوات أسره الطويلة، وهو ما دفع الاحتلال إلى محاربته بالمرض، فهكذا هم، يقتلون الفلسطينيين الطلقاء بالرصاص والأسرى العزل بالأمراض وسياسة الإهمال الطبي المتعمد، وهنا لا أستبعد تعمّد الاحتلال إصابة الأسرى بالسرطانات والأمراض الخطِرة، والشواهد عديدة..
مؤخراً، ظهر وليد منهكاً ومتعباً، ولم يعد قادراً على الكلام مع زوجته بسهولة، أو مخاطبة ابنته "ميلاد" من دون عناء، أو حتى كتابة بضع كلمات لترجمة ما يجول في خاطره وفي ذاكرته، وقد بات بحاجة إلى مساعدة ملحة كي يتجاوز محنة المرض، فلم تعد قوة الإرادة التي يتمتع بها "أبو ميلاد" وحدها كافية لمواجهة مرض السرطان. إذ أعلن في سنة 2015 إصابته بسرطان الدم (اللوكيميا)، وفي 18 كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي، تم تشخيص إصابته بمرض التليف النقوي (Myelofibrosis)، وهو سرطان نادر يصيب نخاع العظم، ويحتاج إلى زراعة نخاع في ظروف مناسبة. وفي 12 نيسان/أبريل الجاري، وفي إثر فحوصات جديدة، بعد تدهور وضعه الصحي، خضع لعملية جراحية لاستئصال جزء من الرئة اليمنى، وفقاً لبيان صدر عن عائلته وحملة إطلاق سراحه.[6] وبات الأسير وليد دقة يتنفس بصعوبة، وفي وضع صحي صعب ومقلق للغاية جرّاء التدهور الخطِر الذي طرأ على صحته في الآونة الأخيرة.
سناء وميلاد والحلم المشروع..
وفي الختام، وما دمنا نتحدث عن وليد دقة، فلا بد من أن نشيد بصبر أمه الحاجة فريدة وصمودها، ونضال زوجته سناء سلامة وثباتها، تلك المناضلة التي تَعرّف إليها في سنة 1996، عندما زارته في سجنه لتكتب عن الأسرى ومعاناتهم، كونها كانت تكتب في صحيفة "الصبار" التي تصدر في مدينة يافا، وعقدا قرانهما في 10 آب/أغسطس 1999، وقد تقدما بطلب، وأصرا على عقد القران في السجن، وفعلاً تحقق ذلك، وشكّل سابقة هي الأولى والوحيدة في تاريخ الحركة الأسيرة.
كانت سناء على يقين أنها ستنتظر خطيبها طويلاً، قبل أن يصبح زوجاً لها، ثم والداً لابنتها ميلاد التي أنجبتها في 3 شباط/فبراير 2020، بعد أن نجح وليد في تهريب نطفة وتجسيد الفكرة التي آمن بها منذ تسعينيات القرن الماضي ودافع عنها وناضل طويلاً من أجل تحقيقها.
ولقد اختير اسم ميلاد تحقيقاً لرسالة مؤثرة كتبها الأسير وليد دقة داخل سجنه في سنة 2011 في الذكرى الخامسة والعشرين لاعتقاله، عبّر فيها عن حلمه بأن يكون أباً، وهذا نصها:[7]
"أكتب لطفل لم يولد بعد..
أكتب لفكرة أو حلم بات يرهب السجّان دون قصد أو علم، وقبل أن يتحقق..
أكتب لأي طفل كان أو طفلة..
أكتب لابني الذي لم يأتِ إلى الحياة بعد..
أكتب لميلاد المستقبل، فهكذا نريد أن نسميه/ نسميها، وهكذا أريد للمستقبل أن يعرفنا...
عزيزي ميلاد،
اليوم، أنهي عامي الخامس والعشرين في السجن، تسعة آلاف ومئة وواحد وثلاثون يوماً وربع (9131)... إنه الرقم الذي لا ينتهي عند حد.. إنه عمري الاعتقالي الذي لم ينتهِ بعد... وها أنا قد بلغت الخمسين، وعمري قد انتصف بين السجن والحياة... والأيام قد قبضت على عنق الأيام.. كل يوم أمضيته في السجن يقلب "شقيقه" الذي أمضيته في الحياة، ككيس يحاول إفراغ ما تبقى به من ذاكرة... فالسجن كالنار يتغذى على حطام الذاكرة.. وذاكرتي، يا مهجة القلب، غدت هشيماً وجف عودها... أهرّبها مدونةً على ورق حتى لا تحترق بنار السجن والنسيان.. أما أنت، فأنت أجمل تهريب لذاكرتي... أنت رسالتي للمستقبل بعد أن امتصت الشهور رحيق أخوتها الشهور... والسنين تناصفت مع أخواتها السنين.
أتحسبني يا عزيزي قد جننت؟؟ أكتب لمخلوق لم يولد بعد؟
أيهما الجنون.. دولة نووية تحارب طفلاً لم يولد بعد فتحسبه خطراً أمنياً، ويغدو حاضراً في تقاريرها الاستخبارية ومرافعاتها القضائية.. أم أن أحلم بطفل؟
أيهما الجنون.. أن أكتب رسالة لحلم أم أن يصبح الحلم ملفاً في المخابرات؟
أنت يا عزيزي تملك الآن ملفاً أمنياً في أرشيف الشاباك الإسرائيلي... فما رأيك؟
هل أكف عن حلمي؟
سأظل أحلم رغم مرارة الواقع...
وسأبحث عن معنى للحياة رغم ما فقدته منها...
هم ينبشون قبور الأجداد بحثاً عن أصالة موهومة...
ونحن نبحث عن مستقبل أفضل للأحفاد... لا شك آت...
سلام ميلاد... سلام عزيزي...
سلام ميلاد... سلام عزيزي...
[1]"صهر الوعي في إعادة تعريف التعذيب"، 9 أيار/مايو 2017
[2] "في ثلاثينية أسره: مقابلة خاصة مع الأسير وليد دقة"، موقع "عرب 48"، 22 نيسان/أبريل 2016
[3] المصدر نفسه.
[4]حملة إطلاق سراح الأسير وليد دقة على الفايسبوك
[5] "في ثلاثينية أسره..." ، مصدر سبق ذكره.
[6]بيان عن العائلة، منشور على موقع حملة إطلاق سراح الأسير وليد دقة على الفايسبوك:
[7]وليد دقة، "أكتب لطفل لم يولد بعد". موقع "عرب 1948"، 27 آذار/مارس 2011.
عن المؤلف:
عبد الناصر فروانة: أسير محرر، ومختص بشؤون الأسرى، وعضو المجلس الوطني الفلسطيني، ورئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحررين، وعضو لجنة إدارة هيئة الأسرى في قطاع غزة. ولديه موقع شخصي اسمه: فلسطين خلف القضبان.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

عيد الأم .. معاناة من نوع آخر *بقلم/ عبد الناصر عوني فروانة

في . نشر في مقالات

الأم الفلسطينية، هي التي لا تشبه أحداً بعظمتها، ولا أحداً يشبهها بصبرها وجلدها وقوة تحملها. إنها امرأة من المستحيل أن تكون عادية، فهي الأم التي أظهرت قدرات خارقة في حجم العطاء وقوة التحمل، وهي التي تميزت بمقاومتها الباسلة وتضحياتها الجسام ومواقفها البطولية طوال مسيرة الثورة الفلسطينية المعاصرة، والتاريخ يؤكد أن المرأة الفلسطينية، لم تتراجع يوماً عن أداء واجبها، وسطرّت أروع صفحات المجد في ساحات المواجهة والاشتباك مع المحتل، وجسدّت صوراً متعددة، يٌفتخر بها وتُحفظ في الذاكرة الجمعية لنضالات المرأة في العالم.
 
وأمهاتنا لهن من ذاك التاريخ حصة، ومن تلك المسيرة نصيب، نعجز عن وصفهن بالكلمات المستحقة، أو إيفائهن من الحق ما يليق بمكانتهن ومعاناتهن وتاريخهن. أمهات عظيمات، بعضهن رحلن بهدوء ودون رجعة وتوارين عن الأنظار فجأة، وبعضهن الآخر تألمن بفعل السجن والحرمان حتى الموت، دون أن تتاح الفرصة لأبنائهن الأسرى ليقبلوهن قبلة الوداع الأخير. فيما لا تزال آلاف أخريات يتابعن قلقا حال أبنائهن جراء ظروف السجن وقسوة السجان، وينتظرن شوقاً عودة أبنائهن بعد أن طال غيابهم، ويخشون الرحيل قبل عودتهم. هذا بالإضافة إلى وجود خمس أمهات فلسطينيات, من بين (29) أسيرة, يقبعنّ في سجون الاحتلال بلا أي حقوق وفي ظروف معيشية وصحية صعبة وهنّ: إسراء الجعابيص، ياسمين شعبان، عطاف جرادات، فدوى حماده، وأماني الحشيم. ليبحث أبنائهم عن من يعوضهم فلا يجدوا ضالتهم، وهن من قرابة (17) ألف فلسطينية تعرضّن للاعتقال منذ سنة 1967، بينهن أمهات ونساء طاعنات في السن، وزوجات وحوامل ومريضات. كما وأن العديد منهن أنجبن أطفالهن وهن مقيدات وفي ظروف صعبة.
و"عيد الأم" الذي يصادف في21 آذار/مارس من كل عام، لم تكن يوماً مناسبة سعيدة للأمهات الأسيرات وأطفالهن، ولم تَعد خفيفة على الأسرى والأسيرات وأمهاتهم. فالأمهات داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي يُحتجزن في ظروف صعبة وأوضاع صحية سيئة ويواجهن أشكالاً متعددة من الحرمان ويًتعرضن للإهمال الطبي، ولعل أصعبها حالة الأسيرة المقدسية الأم "إسراء الجعابيص" التي تبلغ من العمر 37عاماً، والمعتقلة بتاريخ 11 تشرين الأول/أكتوبر 2015، والتي حُكم عليها بالسجن الفعلي مدة 11 عاماً بتهمة أُلصقت بها، وذلك حين انفجرت أسطوانة غاز كانت تنقلها في سيارتها بالقرب من حاجز عسكري نتيجة إطلاق قوات الاحتلال النار على سيارتها بذريعة اقترابها من الحاجز واتهامها بمحاولة تنفيذ عملية دهس. فتسبب الانفجار باشتعال النيران في سيارتها، وفي إثر ذلك، أصيبت بحروق من الدرجة الأولى والثانية والثالثة، أتت على أكثر من 60% من جسدها ووجهها، وهو ما أفقدها عدداً من أصابع يديها وأصابها بتشوهات كبيرة في جسدها، وأضرار تسببت بتغيير ملامحها كلياً، وأفقدت أطفالها الصغار القدرة على التعرف عليها، وهي بحاجة إلى رعاية صحية في ظل استمرار سياسة الإهمال الطبي المتعمد ورفض إدارة السجون إجراء العمليات اللازمة لها، مما يفاقم من معاناتها.
أما الأسرى فهم غير قادرين على الاحتفاء مع أمهاتهم بفعل القيود. كما وليس بمقدور أمهاتهم تلقي كلمات التكريم عبر شبك الزيارة أو من خلال الهواتف الغير متاحة. فيما تزداد معاناة الأسرى وترتفع درجات القلق لدى الأمهات في ظل تصاعد الإجراءات الإسرائيلية عقب تسلم المتطرف "بن غفير" وزارة الأمن القومي، والتحضير لخوض الإضراب المفتوح عن الطعام في الأول من رمضان. كما تخشى الأمهات شبح الموت والرحيل الأبدي قبل أن يعانقن أبنائهن أحراراً، لهذا تسمعهم دائماً يرددن دعائهن المشهور "اللهم امنحنا طول العمر لنُكحل أعيننا برؤية أبناءنا أحراراً وان نضمهم لصدورنا قبل الرحيل".
نسأل الله العلي القدير أن يحفظ لنا أمهاتنا وأمهاتكم وأمهات الأسرى والأسيرات، وكل عام وكافة أمهات فلسطين بألف خير، وصدق شاعر النيل حافظ ابراهيم في قوله: "الأم مدرسة إذا أعددتها، أعددت شعباً طيب الأعراق".
عبد الناصر فروانة: أسير محرَّر، ومختص بشؤون الأسرى والمحررين، وعضو المجلس الوطني الفلسطيني، ورئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحرَّرين، وعضو لجنة إدارة هيئة الأسرى في قطاع غزة، وله موقع شخصي مختص بالحركة الأسيرة اسمه: فلسطين خلف القضبان.
 
 
 
 
 
 
‎عبدالناصر عوني فروانة‎ and others
 
 
 
Like
 
 
 
Comment
 
 
Share