الحركة الأسيرة

صرف مخصصات الأسرى (بين الاستحقاق والتبرير والقرصنة الاسرائيلية)

في . نشر في مقالات

بقلم: أ. ابراهيم نجاجرة/هيئة شؤون الأسرى والمحررين

 ان خدمات الرعاية والرفاه الاجتماعي ظاهرة اجتماعية رافقت تطور البشرية والمجتمعات منذ القدم وتطورت وتنوعت مع تطور الحضارات بما يتناسب مع طبيعة كل دولة ومجتمع وفق معايير عامة ، حيث ان هذه الخدمات حقوق مكتسبة بحكم القيم والاعراف المجتمعية والدولية ، تقدم وفق احتياجات معلنه او معبر عنها او نتيجة دراسات وابحاث (حاجات معياريه) او حاجات مقارنه بين فئات الشعب الواحد .

وبعد الاحتلال الاسرائيلي للأراضي المحتلة عام 1967م ، انطلقت حركة احتجاج شعبية لمواجهة الاحتلال وأثاره وكانت ردة فعل سلطات الاحتلال الاسرائيلي القتل والاعتقال وهدم البيوت والإبعاد طالت جميع فئات الشعب الفلسطيني نساء ورجال وموظفين وعمال ومهنيين وكانت تهدف الى تطويع الشعب الفلسطيني لإجباره على قبول الاحتلال ، وقد تمسك الشعب الفلسطيني في نضاله ضد الاحتلال بالقيم والمواثيق والقوانين الدولية التي تعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وبعدم شرعية الاحتلال .

وعليه قامت منظمة التحرير الفلسطينية منذ بداية سبعينيات القرن الماضي بإنشاء موسسة الاسرى والشهداء وبدأت بصرف مخصصات مالية لحماية الاسرى وذويهم من العوز والحاجة والحرمان ولان هؤلاء الاسرى ليسوا فقط اشخاص ومواطنين  وهم اعضاء في التنظيمات ومقاتلين فلهم حق على المؤسسه والمظلة السياسية ان توفر لهم الحماية والأمن المادي والمعنوي.

وبعد اتفاق اوسلو وإنشاء السلطة الوطنية كانت مخصصات الاسرى تصرف تحت مظلة وزارة الشؤون الاجتماعية  ، إلا ان الاسرى والأسرى المحررين بشكل شخصي او عبر المؤسسات الوسيطة ومؤسسات المجتمع المدني والتنظيمات السياسية طالبوا بتشكيل وزارة للأسرى تقوم على رعايتهم وحفظ كرامتهم رفضا للتعامل مع معهم على انهم قضية اجتماعيه وعليه صدر قانون انشاء وزارة شؤون الاسرى والمحررين 1998، لتقديم خدمات الرعاية المادية والتأهيل والدمج الاجتماعي للأسرى المحررين في جميع الاراضي المحتله منذ عام 67  (والقدس)  وقد وصل عدد الاسرى في سجون الاحتلال حتى 15/9/2000 (350)اسير ومعظمهم ممن رفضت اسرائيل اطلاق سراحهم لارتباطهم بعمليات عسكرية ومن ذوي الاحكام العالية وهذا كان مخالف للاتفاقيات ، علما ان الشعب الفلسطيني تجاوب مع توجهات القياده السياسية في التوجه نحو السلام والهدوء.

الا ان اسرائيل استغلت الامور وإعادتها للمربع الاول بعد ان رفضت الالتزام بتطبيق كامل بنود اتفاقية اوسلو وقيام شارون باقتحام المسجد الاقصى متحديا الارادة العربية والدولية والإسلامية والرفض الفلسطيني للزيارة مما اشعل انتفاضة شعبية واسعة وعارمة انخرط فيها جميع فئات الشعب الفلسطيني وأبناء الاجهزة الامنية لمواجهة الة القمع الاسرائيلي للأرض والإنسان ،حيث وصل عدد الاسرى ولأول مرة الى اكثر من (11500) احد عشرة الف وخمسمائة اسير ، وقد رافقت عمليات القمع والقتل والهدم والاعتقال احكام عالية وخيالية وغرامات باهظة  ، وبعد عام 2011 اصبح هناك زيادة ملحوظة في اعداد الاسرى الذين امضوا سنوات طوال أي خمسة سنوات فأكثر(5 سنوات) والأحكام المؤبدة وأيضا زيادة في اعداد الاسرى الذين امضوا سنوات فوق العشرة(10 سنوات) وبدأت حركة اجتماعية مطلبيه بضرورة زيادة مخصصات الاسرى وذويهم لمواجهة مشاكل وأعباء الحياة الاجتماعية والاقتصادية والناجمة عن الاحتلال والاعتقال الطويل .

وبدأت الاجتماعات والمطالب والاعتصامات والمراسلات على جميع المستويات وعلى اثر ذلك تم تعديل قانون الاسرى والمحررين وإقرار اللوائح التنفيذية له عام 2013 لمواجهة التحديات التالية :

1 – لمواجهة حاجات ومشكلات اجتماعية لدى الاسرى وذويهم هذه الحاجات عبروا عنها وطالبوا بها وهي ايضا نتاج ابحاث ودراسات اجتماعية (حاجات معيارية) وأيضا كثير من الاسرى وأصحاب الاحكام العالية اصبحوا يقارنوا اوضاعهم بأمثالهم من ابناء الشعب الفلسطيني الذين التحقوا بالمؤسسة الامنية والمدنية وتدرجوا في السلم الوظيفي.

وقد جاء نظام التوظيف المالي لكي يسد هذه الحاجة ويلبي احتياجات ومطالب الاسرى (حاجات مقارنه).

2-  ان الاعتقال وما ينتج عنه من اثار نفسية وصحية تؤدي الى المرض والكسل والبطالة وعدم القدرة على العمل وفقدان المؤهلات وخاصة لذوي الاحكام العالية لذلك هذه المخصصات جاءت لمواجهة الشعور بانعدام الامان لهم ولأسرهم ولمنع التمييز سواء في المكانة او الدور او الاستحقاق ولمواجهة اتساع فئة الاسرى والأسرى المحررين من حيث الكم والنوع ومنع الاستغلال للأطفال والنساء والفئات الضعيفة منهم .

3- ان هذه المخصصات هي شكل من اشكال الضمان الاجتماعي الذي اتخذته الدول الغربية قبل اكثر من مئة عام وهدفه توفير فرص العلاج والتعليم ، ومحاربة الجهل والفقر ومنع الشعور بالعزلة  ولتحقيق قيم المساواه والعدالة الاجتماعية وتقوية الروابط الاجتماعية وتحقيق الاندماج الاجتماعي  .

4- تعمل هذه المخصصات لمواجهة الانقلاب في دورة حياة الاسرى وخاصة الذين امضوا عشرة سنوات فاكثر حيث ان الاسير يخرج من الاسر مثقل بالهموم والمسؤوليات  لمرحلة ما بعد التحرر ، مرحلة الانطلاق والاندماج في الحياة في مرحلة متاخره وقدرات وظيفية وإنتاجية متدنية وخوف على مستقبل اسرته في ظل تقدمه بالسن لذا كان لا بد من رفع نسبة المخصصات للأسرى داخل السجون لكي تستطيع الاسرة ان تقوم وتغطي اعباء ومصاريف الاسره واحتياجات الاسير داخل السجن على ضوء غلاء المعيشة وارتفاع الاسعار ومنع ادارة السجون من تقديم ما يلزم للأسير وقد ساعدت هذه المدفوعات على استقرار الوضع داخل السجون وأيضا بعد التحرر لكي يبدا مرحلة الاندماج بالحد الادنى من المقومات المعنوية والمادية  .

5- ان سلطات الاحتلال تحد من قدرة الاسير على الحركة سواء بالعمل او السفر من خلال المنع الامني لذا من المهم ان يشعر الاسير بالرضى عن مستوى معيشته ولو بالحد الادنى لمنع التطرف والفلتان الامني والاجتماعي لان الاسير اصبح لديه شعور ان كرامته محفوظة وان سنوات الاعتقال لم تذهب سدى وهدر وله قيمة مجتمعية وإنسانيه .

6- لقد سعت السلطة الوطنية والدولة الفلسطينية الحديثة عبر خدماتها لكافة قطاعات الشعب الفلسطيني على تحقيق الاستقرار والهدوء نحو تحقيق السلام الشامل  وان اهم فئة هم الاسرى لان لديهم القدرة على التنظيم والاحتجاج والاعتراض وان حصولهم على الحقوق عامل مهم في دعم السلطة الوطنية ومؤسساتها وحكومتها ونظامها السياسي .

7- ان تنظيم عمليات الصرف المالي هو مطلب دولي ولتعميق مبدأ الشفافية والمحاسبة والمساواة وعدالة التوزيع لدى مؤسسات الدولة الفلسطينية .

وان قيام دولة الاحتلال بالمصادقة على اقتطاع اموال الشعب الفلسطيني هو اجراء منافي لكل القيم والأعراف والمواثيق الدولية ، ليس من باب التنظير بل لأنها تريد ان تطوع دول العالم وقيمها وتقلب مفاهيم التضامن والمقاومة الشعبية والسلمية لصالح شرعنة الاحتلال ، تريد ان تفرض الاستسلام على الشعب الفلسطيني، على العالم ان يجبر الاحتلال ان يطبق اتفاقيات ومعاهدات السلام والقرارات الدولية حتى لا يكون اسرى وشهداء وجرحى ، وغير ذلك الشعب الفلسطيني مطالب ان يدافع عن حقوقه الاجتماعية والسياسية .

 

 

"وليد شرف"…اعتقال وهمي وقتل بطيء

في . نشر في مقالات

  بين أسرة المشافي والحقن المسكنة يمكث الأسير المقدسي وليد شرف "25 عام" بعد ان نقلته سلطات الاحتلال إلى أحد المستشفيات المدنية التابعة لها نظراً لخطورة وضعه الصحي ،فيما سبق نقله من معتقل عوفر إلى عيادة معتقل الرملة بعد تدهور حالته الصحية .

النحيل ضمورٌ في الجلد، ومشاكل في الكلى والأمعاء والكبد تؤثر على عمل أجهزة حيوية أخرى في جسده لتسلب منه أحلام الشباب وتسرق من عمره لحظات الأمل .

خمسةُ سنوات ما بين الأحكام المتفاوتة والأحكام الإدارية أفنت الطاقة من نفسه وعقله وأضاعت فرص التعليم والعمل والإبداع لتوجد جسد بلا شغف همه الوحيد الإبقاء على روحٍ حكمت بالإعدام حية.

فكان العاشر من حزيران عام 2018 الشاهد الأخير على سلب ذلك الجسد المنهك من منزله في بلدة أبو ديس بعد اقتحامه والعبث بمحتوباته، ولم يكتف الاحتلال باعتقاله الإداري وهو اعتقال على ذمة الوهم أو المعروف باعتقال من لا تهمة له، فلم يفلح الاحتلال بتجرم شرف بهذا الاعتقال ليحاول الكَره من جديد ويبحث عن فرصة جديدة لتعذيبه وعائلته ومحبيه بتجديد اعتقاله الإداري بعد انتهاء مدة الاعتقال الأول مباشرة .

ليخلق الاحتلال بغطرسته وعنجهيته المعروفة حالة من القلق والخوف على حياة الاسير بين عائلته وبين رفاقه بالمعتقل ليحذر الأهل والرفاق من الأسرى داخل المعتقلات من تداعيات استمرار تدهور وضعه الصحي مطالبين بالإفراج الفوري عنه والضغط على الاحتلال لإيقاف قتله .

باتت اعتقالات الاحتلال للفلسطينيين ممارسة يومية ودائمة، وأداة للانتقام، وجزءا أساسياً من منهجيته للسيطرة على الشعب الفلسطيني ووأد وطنيته وثورته.

 

ما بعد القرصنة لأموال الأسرى والشهداء والجرحى!

في . نشر في مقالات

بقلم :حسن عبد ربه

كفل القانون الدولي والشرعية الدولية حق الشعوب بتقرير مصيرها ،بما فيها حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره إستناداً للكثير من القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة ،كالحق بالنضال والكفاح والمقاومة المسلحة للخلاص من الاحتلال والعنصرية.

هذا النضال التحرري الوطني في مواجهة الاحتلال ادى لوجود قوافل الشهداء والجرحى والأسرى ،الأمر الذي أوجب وجود حاضنة وطنية وسياسية وقانونية وإجتماعية فلسطينية لتوفير الحياة الكريمة لهذه الفئة المناضلة.

كان ذلك من خلال منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني في كافة اماكن تواجده ،وانها تمثل قيادة الثورة الفلسطينية وأنشات لتلك الغاية مؤسسة رعاية أسر الشهداء والاسرى والجرحى في عام 1968.

دولة الاحتلال الإسرائيلي التي وقعت إتفاقية أوسلو وما تبعها من اتفاقيات بما فيها إتفاقية باريس الإقتصادية.بل وقبل ذلك كانت تدرك وتعلم تماماً أن منظمة التحرير الفلسطينية ولاحقاً السلطة الوطنية الفلسطينية  تقوم بتقديم المساعدات والمعونات والاموال والمخصصات المالية والرعاية الإجتماعية لعوائل الأسرى والأسرى المحررين والشهداء والجرحى ضمن المسؤوليات الإجتماعية الواقعة وفق المسؤوليات العامة على السلطة والدولة وتقديمها لمواطنيها.

التوجهات العنصرية للاحتلال الاسرائيلي زادت من تغولها في استهداف الحقوق الوطنية الفلسطينية بشكل عام عندما لجأت لإقرار القانون الأساسي الخاص بالقومية ويهودية الدولة الامر الذي جعل حق تقرير المصير حصرياً لليهود .وبالتالي نفي وجود وإلغاء أي حقوق وطنية للشعب الفلسطيني .وبهذه العقلية تم مسبقاً في تموز 2018 إقرار قانون خصم ما يتم تقديره بواقع 300مليون دولار من عائدات الضرائب الفلسطينية سنوياً والتي تعتبر مساوية للمبالغ والمخصصات المالية التي تقدمها السلطة الوطنية لعائلات الأسرى والأسرى المحررين والشهداء والجرحى و كان سبق ذلك بان أقدم وزير جيش الاحتلال "أفيغدور ليبرمان" في آذار 2017 على حظر الصندوق القومي الفلسطيني واعتباره منظمة إرهابية لقيامه بدفع مخصصات الأسرى والمحررين عبر هيئة شؤون الأسرى والمحررين  في خطوة واضحة ليس الهدف منها فقط زيادة الأعباد الإقتصادية والمالية على السلطة الوطنية وإنما خلق أزمة تنذر بتفجير أزمات إجتماعية واهلية داخلية إذا ما كان هناك أي شكل من التجاوب مع المطالب الإسرائيلية .

الهدف الأساس الكامن وراء هذا الموقف العنصري الاسرائيلي يتمثل في محاولات تجريم وإدانة النضال التحرري الوطني الفلسطيني ووصمه بالإرهاب والإجرام بما يتماهى مع موقف الكونغرس الامريكي في محاربة الحقوق الوطنية الفلسطينية والإبتزاز السياسي والمالي ،حيث أقر قانون تايلور فوريس في اذار 2018 بحجب نحو 300 مليون دولار لنفس الغاية الإسرائيلية.

الوضع الراهن يتطلب بذل قصارى جهود التحركات والاتصالات الإقليمية والدولية الدبلوماسية والبرلمانية لتوفير شبكة أمان سياسية وقانونية ومالية وحاضنة وطنية لحماية المركز والمكانة القانونية والسياسية للنضال الفلسطيني بوصفه حركة تحرر وطني ضد الاحتلال الإسرائيلي .

خاصة وأن الاحتلال يصعد من استهداف قضية الاسرى عبر تشريع مجموعة من القوانين العنصرية وإقرار توصيات وزير الامن الداخلي "جلعاد اردان"لتضييق الخناق على الأسرى ليصبحوا بين "فكي كماشة" تتمثل في تصعيب الشروط الحياتية الاعتقالية اليومية من جانب ،ومحاولات نزع الشرعية القانونية والسياسية والوطنية وتجريم نضالهم واعتباره إرهاب من جانب اخر.

إن التماهي والتناغم الامريكي والاسرائيلي في استهداف الأسرى والشهداء والجرحى يتطلب صلابة في الموقف الوحدوي الفلسطيني والنظام السياسي الرسمي بإعادة تحويل هيئة الأسرى الى وزارة تكون جزء ثابت من النظام السياسي وحاضرة في مجلس الوزراء الفلسطيني للحكومة القادمة.

إن الفلسطينيين هم أسرى حرية ،ومناضلين في سبيل الخلاص من الاحتلال العنصري لبلوغ حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.

 

قراءة في ما وراء الاعتقال الإداري

في . نشر في مقالات

بقلم: فادي قدري أبوبكر/هيئة شؤون الأسرى والمحررين

 

الاعتقال الاداري هو اعتقال دون تهمة أو محاكمة، يعتمد على ملف سري ومعلومات استخبارية لا يمكن للأسير أو محاميه الاطلاع عليها، وبحسب الأوامر العسكرية الاسرائيلية يجوز تجديد أمر الاعتقال الإداري مرات غير محدودة. حيث يتم استصدار أمر اداري لفترة أقصاها ستة شهور في كل أمر اعتقال قابلة للتجديد. وتشرعن سلطات الاحتلال الاعتقال الإداري عبر استنادها على قانون الطوارىء الانتدابي لعام 1945، والذي يتم تنفيذه بناءً على مواد البينات السرية ضد المعتقل، والتي تدّعي سلطات الاحتلال عدم جواز كشفها حفاظاً على سلامة مصادر هذه المعلومات، أو لأن كشفها قد يفضح أسلوب الحصول على هذه المواد.

 إن هذه السياسة القائمة على حالة الطوارىء والاستثناء تنتهك حقوقاً متعددة مكفولة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. حيث تنص المادة (9) فيه على: "أنه لا يجوز القبض على أحد أو اعتقاله تعسفاً، وأنه لا يجوز حرمان أحد من حريته إلا لأسباب ينص عليها القانون وطبقاً للإجراء المقرر فيه". كما تنص المادة (14) من العهد على: "الحق في المحاكمة العلنية، باعتبار ذلك عنصراً أساسياً من عناصر المحاكمة العادلة، ويجب أن تكون القاعدة هي إجراء المحاكمة شفوياً وعلنياً، ويجب أن تُعلن المحكمة أياً كان نوعها المعلومات الخاصة بوقت إجراء المحاكمة ومكانها..".

نصت المادة (78) من اتفاقية جنيف الرابعة على أنه: "إذا رأت دولة الاحتلال لأسباب أمنية قهرية أن تتخذ تدابير أمنية إزاء أشخاص محميين، فلها على الأكثر أن تفرض عليهم إقامة جبرية أو تعتقلهم." وإذا كانت سلطات الاحتلال تحاول الاستناد على هذه القاعدة، فيمكن الاستنادة عليها فقط في حالات استثنائية وخاصة جداً، إلا أن واقع إصدار أكثر من 53 ألف قرار اعتقال إداري منذ العام 1967، ومكوث جزء من المعتقلين الإداريين سنين عدة وليس بضعة أشهر فحسب، يؤكد أنهم لا يشكلون الخطر الحقيقي الذي تدّعيه سلطات الاحتلال، وأن الاعتقال الإداري يندرج ضمن سياسة إسرائيلية حيوية تهدف إلى السيطرة على حياة الفلسطيني وترويضه، ووضعه في إطار الاستثناء على الدوام.

يُنظر لسياسة الاعتقال الإداري كانتهاك قانوني وإنساني بحق الأسير وعائلته، ولتقريب الصورة أكثر حول أثر الاعتقال الإداري على الأسير وذويه، يمكن الاستعانة برواية الكاتب الايرلندي صموئيل بيكيت "في انتظار جودو"، والتي تدور حول رجلين يدعيان "فلاديمير" و"استراغون" ينتظران شخصاً يُدعى "جودو". يتناول بيكيت في روايته قضية الانتظار والتفاعلات النفسية التي ترافقها، فعلى الرغم من الانتظار الطويل وعدم مجيء "جودو" في النهاية، فإن الأمل يبقى قائماً وهذا جوهر القضية.

يمكن الجزم بأن هذه الحالة تنطبق على الأسير وعائلته، خصوصاً إذا كان يخضع للاعتقال الاداري، فرواية بيكيت تحمل في طياتها الكثير من الترقب والأمل والانفعال الممزوج بالخوف الدائم والشعور بانعدام الأمان.

يُركز الكاتب الفرنسي ألبير كامو في كتابه "أسطورة سيزيف" على عبثية الجهد البشري، بمعنى الاجتهاد والعمل بدون نتيجة. سيزيف حكمت عليه الآلهة بأن يُدحرج بلا انقطاع إلى قمة الجبل صخرة تعود لتهوي إلى الأسفل بسبب ثقلها. ففي كل مرة يقوم سيزيف برفع الصخرة إلى رأس التلة تقع الصخرة، فيعاود الكرة وهكذا دواليك. يمكن القول أن هذا أفضل وصف أو تشخيص لتأثير الاعتقال الاداري.

لا شك أن تأثير الحكم على الأسرى أصحاب الأحكام العالية قاتل عليهم وعلى ذويهم، إلا أن  المعتقل الإداري يتمتع بخصوصية، فعندما يقترب الأسير من إنهاء فترة ال 6 شهور على سبيل المثال، تعيش العائلة حالة من التوتر والترقب والانفعال والاستعداد، حتى تصدر سلطات الاحتلال بآخر لحظة  حكمها بالتمديد، ما من شأنه أن يكسر الأسير وعائلته نفسياً.

لا شك أن الاعتقال الإداري من أسوأ الأساليب القمعية التي تمارسها سلطات الاحتلال العنصرية، لأنها ببساطة أساليب تعسفية وغوغائية ومنفلتة بطبيعتها، مرجعيتها غرائز الانتقام ودوافعها الحقد الدفين ومحركها الكراهية العمياء وليس القانون، فهي حتى وإن كان في ظاهر الأمر تستهدف أشخاصاً لأسباب تكتيكية، إلا أنها تستهدف استراتيجياً من خلال ذلك المجموع الوطني الفلسطيني كله الذي تعتبره هذه السياسة عدواً في أسوا الحالات أو مصدرَ خطرٍ في أحسنها.

وحدها الضريرة من رأت موت بارودها ... وعفو الرب

في . نشر في مقالات

 

بقلم: مجدي العدرة

بعفو رباني شق خاصرة السموات أخيرا وصعد بين طبقاتها يتلفت هنا وهناك، يبحث عمن فقدها على الأرض لسنوات طوال،. مكبلا معذبا منهكا ميتا حرا طليقا، لم يعد اسم تلك الحالة التي عرج بها مهماً له ولها... كل ما يريده الآن مغفرة الرب ولقاء حبيته الكفيفه "ريا".

28 عاما عاشها الفارس بارود كالأموات، مقيدا بالأصفاد والحديد والحراس والبعد عنها، عن تلك الوالدة التي أشقاها غيابه وأعماها كثرة البكاء عليه، كافحت لأعوام واعوام صحتها المتهالكه، ونضالت بشراسة مثقلة كل أوجاع الدهر والقهر، تصبر نفسها وترقب بالمرارة عودة من لم تنجب سواه.

شاخ وجهها وشاب شعرها قبل كل أوان، فقد دق الهرم بابها حين اعتقل فارسها الوحيد عام 91، وحين حكم عليه بالمؤبد مرتين و22 عاما، وحين تجاوزته عشرات الصفقات، وحين حُرمت من زيارته 18 عاما متتالية، ليقضي في السجن أكثر من ربع قرن، بين وجع المرض وقتل السجان وغصة البعد عنها حتى جاورت الرفيق الاعلى منتصف العام 2017.

احيا العام 2013 قلبها وقتله في ذات التوقيت، حينما ادرج اسم بارودها ضمن الدفعة الأخيرة من الأسرى القدامى الذين تعهد الاحتلال بإطلاق سراحهم وفق تفاهمات سياسية مع السلطة الفلسطينية، لكن الغدر الصهيوني باغت أملها الكبير وقلبها المنكمش وعلق الإفراج عن تلك الدفعة في لحظاتها الأخيرة.

الكل في غزة يعرف لحظات الحاجة "ريا" في تلك السنة، حين طفحت وكالات الأنباء ومحطات التلفزة في ذلك العام بالحديث عن اقتراب الصفقة وموعد الافراج، سارعت لإعداد وترتيب غرفته الخاصة واشترت له سريرا جديدا وبعض الملابس الجميلة كي يذهب بها الى صلاة الجمعة وقبر والده، لكن الحلم القريب ذُبح من جديد وللمرة الألف، فلا هي رأت فارسها ولا نام فارسها في غرفته.

اليوم يرتب القدر لقائه الخاص لفارس ووالدته، موشحا بالشهادة، يتعانقان ويبكيان ويفرحان ويعطيان البصر معناً أخر، ونكتب نحن في الأسفل عنهما نصا جديدا في كتابنا الفلسطيني الذي فاض بالشقاء والعذاب والوجع وقلة الحيلة.

لروح فارس بارود الف سلام