الحركة الأسيرة

مَن هو الأسير وليد دقة؟

في . نشر في مقالات

مَن هو الأسير وليد دقة؟
بقلم/عبد الناصر فروانة
رئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الاسرى
عضو لجنة ادارة الهيئة في قطاع غزة
"ليس هناك أشد وأقسى من أن يعيش الإنسان إحساساً بالقهر والعذاب دون أن يكون قادراً على وصفه وتحديد سببه ومصدره. إنه الشعور بالعجز وفقدان الكرامة الإنسانية عندما يجتمع اللايقين بالقهر، فيبدو لك بأنه ليس العالم وحده قد تخلى عنك، وإنما لغتك قد خانتك من أن تصف عذابك وأن تعرفه، أو حتى أن تقول آخ.. آخ مفهومة ومدركة من قبل الآخر الحر."[1]
لم يكن الأسير وليد دقة يعاني أمراضاً خطِرة، حين خطّ تلك الكلمات في معالجته ما يتعرض له الأسرى الفلسطينيون من تعذيب ممنهج ومدروس. ولم يكن مصاباً بالسرطان حين وصف السجن بالمكان السيئ، وبأنه أحقر اختراع صنعته الإنسانية لمعاقبة الإنسان.[2] لكن وليد كان يعاني ألماً جماعياً، سبق أن عانته أجيال فلسطينية عدة، فتميز من غيره في إعادة تعريف التعذيب ورصد أساليبه المتطورة وتسليط الضوء على تفاصيله في كتابه "صهر الوعي".
المثقف والمفكر وليد دقة
برز الأسير وليد دقة على مدار سنوات أسره الطويلة كمناضل سياسي وكاتب متميز ومثقف ومفكر وقائد محنّك ومؤثر، ويُعتبر أحد أبرز مفكري ومثقفي الحركة الأسيرة، وواحداً من أبرز الأسرى الذين أبدعوا في كتاباتهم عن الحالة الفلسطينية. في أحد لقاءاته قال عن "الانقسام": "لا أبالغ إن قلت إنه، وعلى الرغم من أن مَن يغلق عليّ باب الزنزانة هو سجّان إسرائيلي، لكن الذي يصنع له مزيداً من الأقفال هو الانقسام الفلسطيني. تأمل المسألة جيداً، فهذه ليست بلاغة لغوية، وإنما هي حقيقة يجب أن نصرخ بها في وجه مَن ضلوا الطريق نحو الحرية."[3] ولعل وليد هو الأبرز على الإطلاق، والأكثر جرأةً وموضوعيةً، في وصفه حال وواقع السجون والمعتقلات الإسرائيلية عبر كتاباته الكثيرة ومقالاته المتنوعة، ومنها مقالة "الزمن الموازي" ورسائله المهربة من خلف القضبان، بالإضافة إلى مجموعة من الكتب والروايات، منها "يوميات المقاومة في جنين"، "صهر الوعي"، وروايتان لليافعين، وهما: "حكاية سر الزيت"، و"حكاية سر السيف"، أما حكاية "سر الطيف" فهي مخطوطة مسرحية.
والأسير المفكر وليد دقة، وعلى الرغم من سنوات السجن الطويلة والمرض الخبيث الذي أنهك جسده، فإن عقله ظل حراً، وبقى ملتصقاً بقضايا شعبه ورفاقه الأسرى، وما زال يكتب سرّ حكاية الآلاف من الأسرى الفلسطينيين الذين عانوا المرض والإهمال الطبي، والجرائم الطبية المتعمدة، وتعرضوا للقتل البطيء.
ولئن عانى الأسرى الفلسطينيون، من القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، جرّاء الاعتقال وظروف الاحتجاز وسوء المعاملة؛ فلقد عانت هذه الشريحة من الأسرى الفلسطينيين، من فلسطين المحتلة في سنة 1948، جرّاء سوء المعاملة والتمييز العنصري المضاعف؛ وبذا فقد دفعوا ثمناً باهظاً لهويتهم، جرّاء هذا الازدواج القسري للجنسية، وفي المقابل، أبدوا تشبثاً بالهوية والتصاقاً دائماً بالقضية الفلسطينية، وإصراراً على الحياة بكرامة، وناضلوا باستمرار لانتزاع حقوقهم المدنية والسياسية، ولعل يوم الأرض أحد الشواهد العديدة.
واعتقلت السلطات الإسرائيلية الآلاف من فلسطينيي الداخل بحجة الإخلال بالأمن العام، وعدم الالتزام بالقوانين الإسرائيلية، وهكذا نشأ مصطلح "أسرى الداخل"، وأصبحنا نرى معنا في السجون الإسرائيلية شباناً ورجالاً ونساء من الفلسطينيين الذين وُلدوا بعد النكبة، وينتسبون إلى حيفا ويافا واللد والناصرة وعكا والطيرة وعارة وعرعرة وباقة الغربية، وأم الفحم... وغيرها من الأسماء المنقوشة عميقاً ومنذ وقت مبكر في الذاكرة الجمعية الفلسطينية. وهكذا حفظنا أسماء الشهداء منهم، ورددت الألسن، بفخر وعزة، أسماء آخرين كثر، شكلوا نماذج مشرقة للحركة الوطنية الأسيرة في كافة المراحل والأزمنة. وبرز من بينهم القائد والمفكر وليد دقة.
من هو الأسير وليد دقة؟
وُلد وليد نمر أسعد دقة في 18تموز/يوليو 1961، لأسرة فلسطينية تتكون من ستة أشقاء وثلاث شقيقات، وتسكن في مدينة باقة الغربية في منطقة المثلث شمال فلسطين المحتلة سنة 1948.
تعلم وليد في مدارس البلدة، وأنهى دراسته الثانوية في باقة الغربية، انتقل إلى العمل في إحدى محطات تسويق المحروقات، وفي 25 آذار/مارس 1986، اعتقلته سلطات الاحتلال بتهمة الانتماء إلى الجبهـة الشعبـيـة لتحـرير فلسـطين وانتسابه إلى خلية فدائية عملت بهدف تحرير أسرى فلسطينيين، بالإضافة إلى حيازة أسلحة ومتفجرات بطريقة غير قانونية (بحسب التصنيف الإسرائيلي) واتهامه بالقيام بأعمال فدائية داخل الخط الأخضر. ثم حُكم عليه بالسجن المؤبد (مدى الحياة) في البداية، ولاحقاً، تم تحديده سنة 2012 بالسجن 37 عاماً، أمضاها كاملة. ولكن في سنة 2018، أصدرت المحكمة المركزية في بئر السبع قراراً يقضي بإضافة سنتين إضافيتين إلى حُكم الأسير وليد دقة، بادّعاء ضلوعه في إدخال هواتف نقالة للأسرى، وهو ما يعني تمديد الإفراج عنه إلى سنة 2025.[4]
تعرّض وليد خلال فترة سجنه لصنوف مختلفة من التعذيب الجسدي والنفسي، ولأشكال كثيرة من القهر والحرمان والتمييز العنصري، وتنقّل خلال سنوات سجنه الطويلة بين جدران سجون متعددة. إلا أنه وعلى الرغم من كل ذلك، فإنه شكّل ندّاً للسجّان، وبقي مناضلاً عنيداً وصلباً، وأسيراً شكّل على الدوام نموذجاً لمن عايشوه في السجون، ولرفاقه في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ولكل الفلسطينيين والأحرار في العالم أجمع.
واصل وليد دقة تعليمه وزيادة معارفه العلمية، فأنهى دراسته الجامعية في السجن، وحصل على درجة الماجستير في الديمقراطية السياسية، من خلال الانتساب عن بُعد إلى الجامعة العبرية المفتوحة، كأحد إنجازات إضراب 1992، وقبل أن توقفه إدارة السجون، ولكن الوعي والتأثير الفكري –كما يقول وليد- تصنعه أطر أوسع من الجامعة، أو المدرسة والأسرة.[5]
لم يتوقف نشاطه على القراءة والكتابة، ولم يكتفِ بدور المثقف وتثقيف الآخرين ونقل التجربة إلى المحيط، وإنما تعدى الأمر ذلك، وساهم معرفياً في فهم تجربة السجن ومقاومتها، ويشارك إخوانه ورفاقه في تفاصيل الحياة اليومية ونسج علاقات وطنية صادقة مع الجميع، وشارك في كافة أشكال المواجهة مع السجّان، بما فيها الإضرابات المفتوحة عن الطعام، ذوداً عن كرامة الأسرى، ودفاعاً عن حقوقهم، وتمسّكاً بإنجازات الحركة الأسيرة ومكتسباتها.
ونظراً إلى دوره اللافت وحضوره المؤثر وثقافته المتميزة والكاريزما العالية التي يتمتع بها، فإنه ظلّ في دائرة الاستهداف الإسرائيلي، إذ أقدمت إدارة السجون على عزله مرات عديدة في زنزانة انفرادية، في محاولة يائسة لكسر إرادته والتأثير السلبي فيه، والحد من تأثيره الإيجابي في الأسرى الآخرين.
قاوم وليد كل أشكال القهر والحرمان، وأفشلَ مخططات الاحتلال التي أرادت النيل من عزيمته والحد من تأثيره، لا بل استطاع تسجيل انتصارات عديدة على مدار سنوات أسره الطويلة، وهو ما دفع الاحتلال إلى محاربته بالمرض، فهكذا هم، يقتلون الفلسطينيين الطلقاء بالرصاص والأسرى العزل بالأمراض وسياسة الإهمال الطبي المتعمد، وهنا لا أستبعد تعمّد الاحتلال إصابة الأسرى بالسرطانات والأمراض الخطِرة، والشواهد عديدة..
مؤخراً، ظهر وليد منهكاً ومتعباً، ولم يعد قادراً على الكلام مع زوجته بسهولة، أو مخاطبة ابنته "ميلاد" من دون عناء، أو حتى كتابة بضع كلمات لترجمة ما يجول في خاطره وفي ذاكرته، وقد بات بحاجة إلى مساعدة ملحة كي يتجاوز محنة المرض، فلم تعد قوة الإرادة التي يتمتع بها "أبو ميلاد" وحدها كافية لمواجهة مرض السرطان. إذ أعلن في سنة 2015 إصابته بسرطان الدم (اللوكيميا)، وفي 18 كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي، تم تشخيص إصابته بمرض التليف النقوي (Myelofibrosis)، وهو سرطان نادر يصيب نخاع العظم، ويحتاج إلى زراعة نخاع في ظروف مناسبة. وفي 12 نيسان/أبريل الجاري، وفي إثر فحوصات جديدة، بعد تدهور وضعه الصحي، خضع لعملية جراحية لاستئصال جزء من الرئة اليمنى، وفقاً لبيان صدر عن عائلته وحملة إطلاق سراحه.[6] وبات الأسير وليد دقة يتنفس بصعوبة، وفي وضع صحي صعب ومقلق للغاية جرّاء التدهور الخطِر الذي طرأ على صحته في الآونة الأخيرة.
سناء وميلاد والحلم المشروع..
وفي الختام، وما دمنا نتحدث عن وليد دقة، فلا بد من أن نشيد بصبر أمه الحاجة فريدة وصمودها، ونضال زوجته سناء سلامة وثباتها، تلك المناضلة التي تَعرّف إليها في سنة 1996، عندما زارته في سجنه لتكتب عن الأسرى ومعاناتهم، كونها كانت تكتب في صحيفة "الصبار" التي تصدر في مدينة يافا، وعقدا قرانهما في 10 آب/أغسطس 1999، وقد تقدما بطلب، وأصرا على عقد القران في السجن، وفعلاً تحقق ذلك، وشكّل سابقة هي الأولى والوحيدة في تاريخ الحركة الأسيرة.
كانت سناء على يقين أنها ستنتظر خطيبها طويلاً، قبل أن يصبح زوجاً لها، ثم والداً لابنتها ميلاد التي أنجبتها في 3 شباط/فبراير 2020، بعد أن نجح وليد في تهريب نطفة وتجسيد الفكرة التي آمن بها منذ تسعينيات القرن الماضي ودافع عنها وناضل طويلاً من أجل تحقيقها.
ولقد اختير اسم ميلاد تحقيقاً لرسالة مؤثرة كتبها الأسير وليد دقة داخل سجنه في سنة 2011 في الذكرى الخامسة والعشرين لاعتقاله، عبّر فيها عن حلمه بأن يكون أباً، وهذا نصها:[7]
"أكتب لطفل لم يولد بعد..
أكتب لفكرة أو حلم بات يرهب السجّان دون قصد أو علم، وقبل أن يتحقق..
أكتب لأي طفل كان أو طفلة..
أكتب لابني الذي لم يأتِ إلى الحياة بعد..
أكتب لميلاد المستقبل، فهكذا نريد أن نسميه/ نسميها، وهكذا أريد للمستقبل أن يعرفنا...
عزيزي ميلاد،
اليوم، أنهي عامي الخامس والعشرين في السجن، تسعة آلاف ومئة وواحد وثلاثون يوماً وربع (9131)... إنه الرقم الذي لا ينتهي عند حد.. إنه عمري الاعتقالي الذي لم ينتهِ بعد... وها أنا قد بلغت الخمسين، وعمري قد انتصف بين السجن والحياة... والأيام قد قبضت على عنق الأيام.. كل يوم أمضيته في السجن يقلب "شقيقه" الذي أمضيته في الحياة، ككيس يحاول إفراغ ما تبقى به من ذاكرة... فالسجن كالنار يتغذى على حطام الذاكرة.. وذاكرتي، يا مهجة القلب، غدت هشيماً وجف عودها... أهرّبها مدونةً على ورق حتى لا تحترق بنار السجن والنسيان.. أما أنت، فأنت أجمل تهريب لذاكرتي... أنت رسالتي للمستقبل بعد أن امتصت الشهور رحيق أخوتها الشهور... والسنين تناصفت مع أخواتها السنين.
أتحسبني يا عزيزي قد جننت؟؟ أكتب لمخلوق لم يولد بعد؟
أيهما الجنون.. دولة نووية تحارب طفلاً لم يولد بعد فتحسبه خطراً أمنياً، ويغدو حاضراً في تقاريرها الاستخبارية ومرافعاتها القضائية.. أم أن أحلم بطفل؟
أيهما الجنون.. أن أكتب رسالة لحلم أم أن يصبح الحلم ملفاً في المخابرات؟
أنت يا عزيزي تملك الآن ملفاً أمنياً في أرشيف الشاباك الإسرائيلي... فما رأيك؟
هل أكف عن حلمي؟
سأظل أحلم رغم مرارة الواقع...
وسأبحث عن معنى للحياة رغم ما فقدته منها...
هم ينبشون قبور الأجداد بحثاً عن أصالة موهومة...
ونحن نبحث عن مستقبل أفضل للأحفاد... لا شك آت...
سلام ميلاد... سلام عزيزي...
سلام ميلاد... سلام عزيزي...
[1]"صهر الوعي في إعادة تعريف التعذيب"، 9 أيار/مايو 2017
[2] "في ثلاثينية أسره: مقابلة خاصة مع الأسير وليد دقة"، موقع "عرب 48"، 22 نيسان/أبريل 2016
[3] المصدر نفسه.
[4]حملة إطلاق سراح الأسير وليد دقة على الفايسبوك
[5] "في ثلاثينية أسره..." ، مصدر سبق ذكره.
[6]بيان عن العائلة، منشور على موقع حملة إطلاق سراح الأسير وليد دقة على الفايسبوك:
[7]وليد دقة، "أكتب لطفل لم يولد بعد". موقع "عرب 1948"، 27 آذار/مارس 2011.
عن المؤلف:
عبد الناصر فروانة: أسير محرر، ومختص بشؤون الأسرى، وعضو المجلس الوطني الفلسطيني، ورئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحررين، وعضو لجنة إدارة هيئة الأسرى في قطاع غزة. ولديه موقع شخصي اسمه: فلسطين خلف القضبان.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

عيد الأم .. معاناة من نوع آخر *بقلم/ عبد الناصر عوني فروانة

في . نشر في مقالات

الأم الفلسطينية، هي التي لا تشبه أحداً بعظمتها، ولا أحداً يشبهها بصبرها وجلدها وقوة تحملها. إنها امرأة من المستحيل أن تكون عادية، فهي الأم التي أظهرت قدرات خارقة في حجم العطاء وقوة التحمل، وهي التي تميزت بمقاومتها الباسلة وتضحياتها الجسام ومواقفها البطولية طوال مسيرة الثورة الفلسطينية المعاصرة، والتاريخ يؤكد أن المرأة الفلسطينية، لم تتراجع يوماً عن أداء واجبها، وسطرّت أروع صفحات المجد في ساحات المواجهة والاشتباك مع المحتل، وجسدّت صوراً متعددة، يٌفتخر بها وتُحفظ في الذاكرة الجمعية لنضالات المرأة في العالم.
 
وأمهاتنا لهن من ذاك التاريخ حصة، ومن تلك المسيرة نصيب، نعجز عن وصفهن بالكلمات المستحقة، أو إيفائهن من الحق ما يليق بمكانتهن ومعاناتهن وتاريخهن. أمهات عظيمات، بعضهن رحلن بهدوء ودون رجعة وتوارين عن الأنظار فجأة، وبعضهن الآخر تألمن بفعل السجن والحرمان حتى الموت، دون أن تتاح الفرصة لأبنائهن الأسرى ليقبلوهن قبلة الوداع الأخير. فيما لا تزال آلاف أخريات يتابعن قلقا حال أبنائهن جراء ظروف السجن وقسوة السجان، وينتظرن شوقاً عودة أبنائهن بعد أن طال غيابهم، ويخشون الرحيل قبل عودتهم. هذا بالإضافة إلى وجود خمس أمهات فلسطينيات, من بين (29) أسيرة, يقبعنّ في سجون الاحتلال بلا أي حقوق وفي ظروف معيشية وصحية صعبة وهنّ: إسراء الجعابيص، ياسمين شعبان، عطاف جرادات، فدوى حماده، وأماني الحشيم. ليبحث أبنائهم عن من يعوضهم فلا يجدوا ضالتهم، وهن من قرابة (17) ألف فلسطينية تعرضّن للاعتقال منذ سنة 1967، بينهن أمهات ونساء طاعنات في السن، وزوجات وحوامل ومريضات. كما وأن العديد منهن أنجبن أطفالهن وهن مقيدات وفي ظروف صعبة.
و"عيد الأم" الذي يصادف في21 آذار/مارس من كل عام، لم تكن يوماً مناسبة سعيدة للأمهات الأسيرات وأطفالهن، ولم تَعد خفيفة على الأسرى والأسيرات وأمهاتهم. فالأمهات داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي يُحتجزن في ظروف صعبة وأوضاع صحية سيئة ويواجهن أشكالاً متعددة من الحرمان ويًتعرضن للإهمال الطبي، ولعل أصعبها حالة الأسيرة المقدسية الأم "إسراء الجعابيص" التي تبلغ من العمر 37عاماً، والمعتقلة بتاريخ 11 تشرين الأول/أكتوبر 2015، والتي حُكم عليها بالسجن الفعلي مدة 11 عاماً بتهمة أُلصقت بها، وذلك حين انفجرت أسطوانة غاز كانت تنقلها في سيارتها بالقرب من حاجز عسكري نتيجة إطلاق قوات الاحتلال النار على سيارتها بذريعة اقترابها من الحاجز واتهامها بمحاولة تنفيذ عملية دهس. فتسبب الانفجار باشتعال النيران في سيارتها، وفي إثر ذلك، أصيبت بحروق من الدرجة الأولى والثانية والثالثة، أتت على أكثر من 60% من جسدها ووجهها، وهو ما أفقدها عدداً من أصابع يديها وأصابها بتشوهات كبيرة في جسدها، وأضرار تسببت بتغيير ملامحها كلياً، وأفقدت أطفالها الصغار القدرة على التعرف عليها، وهي بحاجة إلى رعاية صحية في ظل استمرار سياسة الإهمال الطبي المتعمد ورفض إدارة السجون إجراء العمليات اللازمة لها، مما يفاقم من معاناتها.
أما الأسرى فهم غير قادرين على الاحتفاء مع أمهاتهم بفعل القيود. كما وليس بمقدور أمهاتهم تلقي كلمات التكريم عبر شبك الزيارة أو من خلال الهواتف الغير متاحة. فيما تزداد معاناة الأسرى وترتفع درجات القلق لدى الأمهات في ظل تصاعد الإجراءات الإسرائيلية عقب تسلم المتطرف "بن غفير" وزارة الأمن القومي، والتحضير لخوض الإضراب المفتوح عن الطعام في الأول من رمضان. كما تخشى الأمهات شبح الموت والرحيل الأبدي قبل أن يعانقن أبنائهن أحراراً، لهذا تسمعهم دائماً يرددن دعائهن المشهور "اللهم امنحنا طول العمر لنُكحل أعيننا برؤية أبناءنا أحراراً وان نضمهم لصدورنا قبل الرحيل".
نسأل الله العلي القدير أن يحفظ لنا أمهاتنا وأمهاتكم وأمهات الأسرى والأسيرات، وكل عام وكافة أمهات فلسطين بألف خير، وصدق شاعر النيل حافظ ابراهيم في قوله: "الأم مدرسة إذا أعددتها، أعددت شعباً طيب الأعراق".
عبد الناصر فروانة: أسير محرَّر، ومختص بشؤون الأسرى والمحررين، وعضو المجلس الوطني الفلسطيني، ورئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحرَّرين، وعضو لجنة إدارة هيئة الأسرى في قطاع غزة، وله موقع شخصي مختص بالحركة الأسيرة اسمه: فلسطين خلف القضبان.
 
 
 
 
 
 
‎عبدالناصر عوني فروانة‎ and others
 
 
 
Like
 
 
 
Comment
 
 
Share
 
 

الشتاء يفاقم معاناة أسرى فلسطين

في . نشر في مقالات

الشتاء يفاقم معاناة أسرى فلسطين
*بقلم/عبد الناصر عوني فروانة
رئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة الاسرى
وعضو لجنة ادارة الهيئة في قطاع غزة
 
لا أظن أن أحداً من المحررين قد عاش مثل هذه الأجواء الشتوية في سجون الاحتلال ويمكنه أن ينسى تلك الأيام والليالي الباردة. فيا أيها الشتاء: فلتغادر رفقاً بهم ويا برد كانون وشباط وآذار ارحم ضعفهم وقلة حيلتهم. فما عاد بمقدور أجساد هؤلاء تحمل مزيد من الألم والوجع.
شتاء عدو لهم، وأمطار غزيرة تُغرق بعضهم ورياح عاصفة تؤرقهم، وبرد قارس يُؤذي جميعهم وينخر عظامهم، وأمراض تؤلم الشاب والكهل وتوجع الشيخ والهرم، وعواصف شديدة ومنخفضات جوية متفرقة تفاقم مأساتهم، وتزيد أوضاعهم الصحية بؤساً وتعقيداً. في ظل تصاعد الاجراءات القمعية والاستفزازية منذ ان تولى "بن غفير" وزارة الامن.
نعم، هذا حالهم، وتلك أوضاعهم. ما داموا خاضعين للحجز وحيثما كان مكان الاحتجاز. في شمال البلاد وأواسطها، أو في جنوبها وسط صحراء النقب.
ففي الشتاء؛ ظروف احتجاز هي الأسوأ، ونقص في الأغطية والملابس الشتوية، وفقدان وسائل التدفئة، في ظل تردي النظام الغذائي، وأمراض كثيرة تظهر، دون أن تجد ما يمنعها من الاستفحال في الجسد أو الانتشار بين المجموع، في ظل تدني الخدمات الطبية واستمرار الاهمال الطبي. فيزداد ألمهم ألما، وتزداد معاناتهم معاناة، خاصة في مراكز التوقيف وأقسام التحقيق. فتتحول الأمراض البسيطة والعرضية إلى مزمنة ومستعصية يصعب علاجها لاحقا. فيما تتفاقم المعاناة لدى الأسرى المرضى وكبار السن أضعاف المرات.
لم تكتفِ إدارة السجون بذلك، بل تتعمد أحياناً للجوء الى اتخاذ إجراءات وخطوات استفزازية، واقتحامات واعتداءات متعمدة، وتفتيشات متكررة بذريعة (الأمن) للتضييق على الأسرى والتنغيص عليهم، وإلحاق الأذى الجسدي والنفسي والمعنوي المتعمد بهم. بعكس ما يتوجب عليها فعله وفقاً لما تنص عليه كافة المواثيق والأعراف الدولية ذات العلاقة بالأسرى والمعتقلين والتي تُلزم الدولة الحاجزة بتوفير كل ما يلزم لعلاجهم وحمايتهم من خطر الموت أو الإصابة بالأمراض. وخاصة المادة (13) من اتفاقية جنيف الثالثة، و(91-85) من اتفاقية جنيف الرابعة.
لم يقتصر الأمر على ذلك، وإنما تتفنن إدارة السجون في تقديم الذرائع لمنع او وضع العراقيل امام إدخال ما ينقصهم عن طريق الأهل أو المؤسسات المختصة، فيما تلجأ أحياناً إلى توفير جزء من الملابس والأغطية الشتوية في مقصف السجن، بجودة أقل وأسعار باهظة، فيضطر الأسرى إلى شرائها.الامر الذي يشكل عبئا اقتصاديا لعوائلهم واستنزافا لاموالهم.
وتتعرض البلاد هذه الأيام إلى منخفض جوي شديد أدى إلى هطول أمطار غزيرة، وثلوج في مناطق عديدة، وانخفاض كبير في دراجات الحرارة لتصل إلى أدنى من معدلاتها ببضع درجات لتصبح الأجواء باردة جداً، مما يُفاقم معاناة الكثيرين. فهناك من هم غير قادرين على اقتناء ما يحميهم من برد الشتاء وصقيع المنخفض الجوي، وليس باستطاعتهم توفير العلاج اللازم لما يُصيبهم من الأمراض وما أكثرها هذه الأيام، بسبب فقرهم وسوء ظروفهم وضعف إمكانياتهم، أو لعدم مقدرتهم على توفيرها بفعل من يُسجنهم ويتعمد إيذائهم، كما هو حال أسرانا ومعتقلينا في سجون الاحتلال الإسرائيلي.
شتاء بارد وامطار غزيرة ومنخفض جوي شديد وظروف قاسية ومعاملة لا إنسانية واجراءات قمعية مع استمرار احتجاز قرابة (4700) أسير/ة في سجون الاحتلال، بينهم نساء واطفال ومرضى وكبار السن، مما يفاقم معاناتهم ويؤذي اوضاعهم الصحية ويرفع اعداد المرضى جراء تأثيرات الشتاء والمنخفض الجوي، لذا فإن المسؤولية تزداد بزيادة المخاطر وتتطلب جهدا كبيرا وضغطا مؤثرا من أجل ضمان توفير الحد الأدنى من الحماية الإنسانية والقانونية للأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال الاسرائيلي.
عن المؤلف:
عبد الناصر فروانة: أسير محرر ومختص بشؤون الأسرى والمحررين، وعضو المجلس الوطني الفلسطيني، ورئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحررين، وعضو لجنة إدارة هيئة الأسرى في قطاع غزة، وله موقع شخصي مختص بشؤون الأسرى: فلسطين خلف القضبان.
 
 
 
 
 
 

في حضرة يوم الأسير العربي 22نيسان *بقلم/عبد الناصر عوني فروانة

في . نشر في مقالات

 
 
لم تكن القضية الفلسطينية في يومٍ من الأيام، قضية تخص الفلسطينيين وحدهم، بل هي قضية العرب وشعوبها الحية، لذا شارك العرب ذكورا واناثا ومن مختلف الجنسيات العربية إخوانهم الفلسطينيين في مقاومة المحتل الإسرائيلي، ولأجلها ودفاعاً عنها قدّم العرب آلاف الشهداء والأسرى، إذ لم تخلُ دولة عربية من المشاركة في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، فيما السجون الإسرائيلية كانت تضم دوما أسرى عرب، فكان هناك أسرى مصريون ولبنانيون وأردنيون وسوريون وعراقيون ومغربيون وسودانيون وجزائريون وتونسيون وسعوديون وليبيون وغيرهم. كما وأن قائمة شهداء الحركة الأسيرة لم تخلُ هي الأخرى من الأسرى العرب.
ولعل ما لا يعرفه الكثيرون أن ثمة (أسرى عرباً) ما زالوا هناك خلف قضبان سجون الاحتلال الإسرائيلي ويبلغ عددهم اليوم نحو (19) أسيراً عربياً، وأن جميع هؤلاء هم أردنيون، بعضهم يحمل الجنسية الأردنية، والبعض الآخر من أصول فلسطينية ولديهم أرقاما وطنية أردنية. وأن من بينهم (9) أسرى يقضون أحكاما بالسجن المؤبد (مدى الحياة) لمرة واحدة أو لعدة مرات، وأنهم يتلقون ذات المعاملة القاسية ويتعرضون لذات الانتهاكات والجرائم الإسرائيلية، وان إدارة السجون لم تميز يوماً في تعاملها وقمعها بين أسير فلسطيني وآخر عربي، ولربما معاناة الأسرى العرب تفوق معاناة الأسرى الفلسطينيين بسبب حرمان الغالبية العظمى منهم من رؤية عائلاتهم على مدار سنوات طويلة من سجنهم، ومنهم من حرم من رؤية أفراد عائلته طوال سنوات اعتقاله الطويلة. الأمر الذي دفع أمهات فلسطينيات إلى ابتداع ما يُعرف بـ "ظاهرة التبني" للتخفيف من معاناتهم وتقليل آثار الحرمان، وهذا ما أدى إلى توطيد العلاقة وأواصر المحبة بين الأسرى العرب والعائلات الفلسطينية.
لقد أبدى الشعب الفلسطيني تعاطفه الكبير مع الأسرى العرب، وأولى لهم تقديراً عالياً لنضالاتهم وفخراً بتضحياتهم، وتعامل معهم باعتبارهم جزءا أصيلاً لا يتجزأ من الحركة الوطنية الأسيرة وتاريخها، وأصبح يحيي سنوياً يوماً خاصاً بهم هو (يوم الأسير العربي) الذي يصادف الثاني والعشرين من نيسان/أبريل من كل عام، وهو اليوم الذي اعتمدته الحركة الأسيرة، أواخر ثمانينات القرن الماضي، بالتوافق فيما بين الأسرى الفلسطينيين والعرب آنذاك، تكريماً لهم ووفاء لتضحياتهم، وهو اليوم الذي اعتقل فيه الأسير العربي اللبناني سمير القنطار عام 1979، وكان حينها هو الأقدم من بين الأسرى العرب.
ويُعتبر "القنطار" الأكثر قضاء للسنوات في السجون الإسرائيلية بشكل متواصل من بين الأسرى العرب، حيث أمضى ما يزيد عن 29 سنة قبل أن يتحرر في صفقة التبادل عام 2008، ويستشهد في غارة اسرائيلية استهدفت العمارة السكنية التي كان متواجد فيها في "جرمانا" القريبة من العاصمة السورية "دمشق"، وذلك في مساء التاسع عشر من كانون أول/ديسمبر 2015. فيما يُعتبر الأسير العربي السوري صدقي المقت، من هضبة الجولان السورية المحتلة، الأكثر قضاء للسنوات في سجون الاحتلال على فترتين، حيث أمضى ما مجموعه 32 سنة، قبل أن يتحرر من الاعتقال الثاني في يناير 2020.
و"الأسرى العرب" هو المصطلح الذي يُطلق على الأسرى العرب (غير الفلسطينيين) الذين يحملون جنسيات عربية مختلفة، وهنا لابد من التوضيح إلى أن الأسرى العرب وأسرى الدوريات، هما مصطلحان مختلفان، لكنهما متشابكان، إذ ليس كل أسرى الدوريات الذين جاءوا من خارج الوطن هم أسرى عرب، وليس كل الأسرى العرب الذين اعتقلوا قد جاءوا وقاوموا المحتل عبر الدوريات. ان غالبية أسرى الدوريات هم من فلسطينيي الشتات، وشاركهم في ذلك أسرى عرب، فيما بعض الأسرى العرب قاوموا المحتل بعيدا عن الدوريات، واعتقلوا دون أن يكونوا ضمن الدوريات.
و لعل من فضائل السجن، أنه أتاح لنا فرصة الالتقاء والتعرف على الكثير من الأسرى العرب وعائلاتهم من بلدان وجنسيات عربية مختلفة، ولولا الاعتقال والسجن لما التقيناهم وتعرفنا عليهم، ولما نشأت فيما بيننا علاقات وصداقة نفخر بها ونعتز بوجودها كأسرى محررين.
ان كافة الاسرى العرب، ذكورا واناثا، يشكلون مفخرة للشعب الفلسطيني. فهم الذين سطروا بجانب إخوانهم الفلسطينيين أروع صفحات الوحدة والتلاحم والنضال العربي المشترك في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. وهم من سطروا معهم صفحات مضيئة خلف القضبان. لذا ستبقى الذاكرة الفلسطينية تحفظ أسماءهم عن ظهر قلب. وكيف للذاكرة الفلسطينية أن تنساهم، وهم جزء من التاريخ الفلسطيني وجزء أصيل من تاريخ عريق سجلته الحركة الوطنية الأسيرة خلف قضبان سجون المحتل، وخطت حروفه بالألم والمعاناة ودماء الشهداء.
وفي حضرة الوفاء للأسرى العرب، لا يسعني إلا أن أتوجه بخالص تحياتي وجل احترامي وتقديري إلى كافة الأسرى العرب في سجون الاحتلال الإسرائي ولكل الأصدقاء والأشقاء من الأسرى المحررين الذين انخرطوا في النضال من أجل فلسطين ومرّوا بتجربة الاعتقال وذاقوا مرارة السجان الإسرائيلي، على اختلاف جنسياتهم وأينما تواجدوا هذه الأيام. فالتاريخ يحفظ أسماءهم، والشعب الفلسطيني لن ينسى وقفتهم ومشاركتهم ونحن ومعنا كافة الأحرار سنبقى أوفياء لهم ولتضحياتهم، فهم مكون أساسي من مكونات الحركة الأسيرة، وجزء أصيل من مسيرة الكفاح ومقاومة المحتل من أجل فلسطين ومقدساتها.
*عبد الناصر فروانة: أسير محرَّر، ومختص بشؤون الأسرى، وعضو المجلس الوطني الفلسطيني، ورئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحرَّرين، وعضو لجنة إدارة هيئة الأسرى في قطاع غزة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

التمرد والعصيان، ثم الإضراب: الخيار الوحيد لمواجهة ظُلم السجّان الإسرائيلي المؤلف: عبد الناصر فروانة

في . نشر في مقالات

 
 
رأت سلطات الاحتلال أن جسد الأسير المعذّب في حالته الفردية، يمتد إلى الجسد الفلسطيني العام، بمعنى نقل الخوف والرعب إلى المجتمع الفلسطيني ومحاولة ضبطه وترهيبه من خلال الفرد، وهذا يتوافق مع حديث الفيلسوف الفرنسي "ميشيل فوكو" عن مبدأ الضبط الاجتماعي العام، الذي يؤمّن "امتداد السيطرة والسلطة من جسد السجين المعذَّب إلى جسد المجتمع".
لقد استشعر الأسرى الخطورة مبكراً، وأدركوا منذ زمن بعيد، أن ما يمارسه السجّان بحقهم ليس عملاً ارتجالياً، أو إجراءً استثنائياً صدر عن هذا المدير أو ذاك الضابط، هنا أو هناك، وإنما كل ما تمارسه وتقترفه إدارة السجون الإسرائيلية بحقهم، على اختلاف أعمارهم وأجناسهم، يأتي تنفيذاً لقرارات صدرت عن جهات عليا، أو ترجمة لقوانين نُوقشت وأُقرَّت في الكنيست الإسرائيلي (البرلمان)، وذلك في إطار سياسة ممنهجة تستهدف الفرد والجماعة، أي الأسير والمجتمع الفلسطيني، لتطويعهم وكسر إرادتهم وتشويه مسيرة كفاحهم وغرس وعي جديد لديهم جميعاً، يقضي بعدم جدوى المقاومة.
شرَع الأسرى في الرابع عشر من شباط/ فبراير الماضي في تنفيذ سلسلة خطوات من التمرد والعصيان وعدم الالتزام بقرارات السجن، ولجؤوا إلى خطوات احتجاجية متنوعة، وذلك رداً على سلسلة من الإجراءات الإسرائيلية داخل السجون، دفعتهم إلى خيار وحيد هو المواجهة والضغط على السجّان، فتسلحوا بعدالة قضيتهم، وأعلنوا الاستنفار العام، وبدؤوا بالتعبئة الشاملة والتحشيد النفسي والمعنوي.
وجاء ذلك رداً على تصعيد القمع الإسرائيلي للأسرى واتخاذ إجراءات جديدة للتضييق عليهم منذ تأليف الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة في كانون الأول/ديسمبر الماضي، وتسلُّم "إيتمار بن غفير" وزارة الأمن القومي، والذي لطالما نادى بالانتقام من الأسرى وطالب بإعدامهم، وتعهّد خلال حملته الانتخابية جعل حياتهم خلف القضبان جحيماً، إذ شرعت إدارة السجون في تنفيذ تعليماته القمعية وترجمة قراراته التعسفية، فبدأت بإغلاق المخابز وتزويد الأسرى بخبز رديء، وفي بعض الأحيان خبز مجمّد، واتخذت إجراءات بهدف التحكم في كمية المياه المستخدمة وتقليص الوقت المستغرق للاستحمام، وتقييد الخروج إلى الفورة (ساحة القسم) ووقت المكوث فيها، وضاعفت عمليات الاقتحام والتفتيش واستخدام القوة المفرطة، مستخدمةً القنابل الصوتية والكلاب البوليسية، وتعمّدت النقل التعسفي لعدد من قيادات الحركة الأسيرة والمحكومين بالمؤبدات، ووسّعت استخدامها العزل الانفرادي، ورفعت أعداد المعزولين في زنازين ضيقة، ومصادرة أدوات كهربائية من بعض الأقسام، وحجبت الكثير من الأصناف الغذائية وأدوات التنظيف التي يشتريها الأسرى على نفقاتهم الخاصة من مقصف السجن، وفرضت تضييقاً على إدخال الملابس، ووضعت عراقيل أمام برنامج زيارات الأهل، واعتدت على الأسيرات وانتهكت خصوصيتهن.
وما زال هناك إجراءات أُخرى في انتظار التنفيذ، بينما يسود أوساط الفلسطينيين القلق من قرارات جديدة غير قابلة للتوقّع في ظل وجود "بن غفير" وحكومة اليمين المتطرف. هذا بالإضافة إلى مناقشة وإقرار مجموعة من القوانين في الكنيست الإسرائيلي (البرلمان)، والتي تهدف إلى تشريع الجريمة، كقانون حرمان الأسرى من العلاج، وقانون سحب الجنسية والإقامة من أسرى القدس والـ 48، الذين يتلقون مساعدات من السلطة الفلسطينية، وقانون إعدام الأسرى لمن شارك في عمليات فدائية أدت إلى مقتل إسرائيليين، وهو ما منح الإسرائيليين الضوء الأخضر لارتكاب المزيد من الجرائم بحق الفلسطينيين. وهذا ما يفسّر توسُّع عمليات إطلاق الرصاص تجاه الطلقاء، وازدياد جرائم الإعدام الميداني بشكل لافت، من جانب، وسقوط العديد من الفلسطينيين شهداء بعد اعتقالهم، وارتفاع أعداد الأسرى المرضى جرّاء تردّي الأوضاع الصحية واستمرار سياسة الإهمال الطبي، من جانب آخر. هذا وغيره، أدى إلى توتير الأوضاع أكثر داخل السجون ووضعها على "صفيح ساخن"، والذي من الممكن أن يتطور ويؤدي إلى "الانفجار" .
وقد أبدع الأسرى في العصيان المدني الأخير، في استحداث أساليب نضالية، كالإرباك الليلي، وهو أسلوب مبتكر استلهموه من تجربة مسيرات العودة وكسر الحصار في غزة، وارتداء زي "الشاباص"، لتأكيد استعداد الأسرى للمواجهة الجماعية، وهو الزي الموحد الذي تزود مديرية السجون الأسير به لحظة دخوله السجن، ومطبوع عليه ثلاثة أحرف بالعبرية وهي اختصار لمديرية مصلحة السجون الإسرائيلية، وحلّ الهيئات التنظيمية، وخلق حالة من الفوضى وعدم الاستقرار، بالإضافة إلى الاعتصام داخل الساحات، وإغلاق الأقسام، وعرقلة ما يسمى بالفحص الأمني (دقّ الشبابيك)، وإعادة وجبات الطعام،‏ وتأخير الدخول إلى الأقسام بعد انتهاء (الفورة)، وتأخير الخروج إلى (البوسطة) في أثناء عمليات النقل، وإعاقة إجراء العدد اليومي وعقد جلسات تعبئة في أثناء إجراء العدد، وغيرها.
وأكدت لجنة الطوارئ الوطنية العليا للحركة الأسيرة، والمنبثقة عن الفصائل الوطنية والإسلامية، في بياناتها، أن خطوات (التمرد والعصيان)، الراهنة والمتدحرجة، ستتوَّج بالشروع في الإضراب الجماعي عن الطعام في الأول من شهر رمضان والذي يصادف في الثالث والعشرين من شهر آذار/مارس الجاري، تحت شعار "الحرية أو الشهادة"، ما لم تلتزم إدارة السجون بالتفاهمات السابقة، وما لم يتراجع "بن غفير" وحكومة اليمين المتطرف عن إجراءاتهم وقراراتهم الأخيرة التي تؤذيهم وتمسّ تفاصيل حياتهم، وتسيء إليهم وإلى قضيتهم، وهو ما يعني أن كافة السيناريوهات واردة، والكرة في الملعب الإسرائيلي.
ويُذكر أنه مع اندلاع هبّة القدس في الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2015، وعلى الرغم مما تحقق عقب إضراب 2012، فإن ظروف الاعتقال لم تكن هي الأفضل، وأن الأوضاع داخل السجون كانت غير مُرضية بالنسبة إلى الأسرى، ومع ذلك، ومنذ اندلاعها، صعّدت إدارة السجون الإسرائيلية قمعها وإجراءاتها التعسفية بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، فجاء إضراب 2017 رداً على ذلك، إلاّ إن إدارة السجون الإسرائيلية عادت وصعّدت وتيرة القمع والانتقام وإجراءات التضييق في أعقاب نجاح ستة أسرى في الهروب من سجن "جلبوع"، الذي يُعتبر الأكثر تحصيناً والأشد حراسةً، وذلك في السادس من أيلول/سبتمبر 2021، عبر نفق حفروه في باطن الأرض، في محاولة منها لاستعادة هيبتها وترميم صورتها ومحو آثار الهزيمة المُذلة التي لحقت بها.
إن الإدراك المبكر للواقع وتداعياته، سهّل على الأسرى الفلسطينيين الوصول إلى مستوى فهم معين في الوقت المناسب، وجعلهم أكثر قدرةً على ترتيب أوراقهم وتنظيم أمورهم الداخلية ورص صفوفهم وتمتين علاقاتهم وتوحيد جهودهم، واتخاذ القرارات المصيرية؛ على قاعدة التحدي ومواجهة السجّان ومرجعياته، ذوداً عن كرامة الأسير الفلسطيني، ودفاعاً عن حقوقه الأساسية، وحفاظاً على رمزيته النضالية ومكانته القانونية، وما يمثله في الوعي الجمعي الفلسطيني والعربي، ولدى أحرار العالم.
وبناءً على ذلك، تولّدت لدى الأسرى قناعة بضرورة المقاومة، وبمرور الوقت وتصاعُد الصراع مع السجّان، من ناحية، وتراكُم الخبرات والتجارب لدى مجموع الأسرى، من ناحية أُخرى، ترسخت لديهم فلسفة المواجهة خلف القضبان، وهكذا غدت السجون ساحة أُخرى من ساحات الاشتباك والمواجهة بين الفلسطينيين والاحتلال الإسرائيلي؛ وتتكرر احتجاجات الأسرى بين حين وآخر، مع اختلاف الأدوات، بينما خاض الأسرى معارك الإضراب عن الطعام مرات كثيرة، ونجحوا في فرض إرادتهم وانتزاع بعض حقوقهم وتحسين أوضاعهم وخلق ظروف اعتقالية أفضل، ولا شك في أن ذلك ما كان ليتحقق لهم إلا ببذل الكثير من التضحيات الجسام.
ويبقى من حق الأسرى اللجوء إلى كافة الخيارات والأدوات النضالية المشروعة في مواجهة ظُلم السجّان الإسرائيلي، كالاحتجاج والتمرد والعصيان، بالإضافة إلى خوض الإضراب المفتوح عن الطعام؛ متسلحين بعدالة قضيتهم وواقعية مطالبهم وصلابة إرادتهم ووحدتهم وثبات مواقفهم ومساندة شعبهم ووقوف أحرار العالم إلى جانبهم ودعم وسائل الإعلام لمشروعية نضالهم.
عن المؤلف:
عبد الناصر فروانة: أسير محرر، ومختص بشؤون الأسرى، وعضو المجلس الوطني الفلسطيني، ورئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحرَّرين، وعضو لجنة إدارة هيئة الأسرى في قطاع غزة. ولديه موقع شخصي اسمه: فلسطين خلف القضبان.
 
 
 
 
 
 
 
 

((( أولاد يونس )))

في . نشر في مقالات

((( أولاد يونس )))
بعد انتهاء التمييز العنصري في جنوب أفريقيا .. قال المناضل السياسي وأول رئيس لجنوب أفريقيا نيلسون منديلا : ( إذا خرجتُ من السجن في نفس الظروف التي اعتقلت فيها فإني سأقوم بنفس الممارسات التي سجنت من أجلها ).
واليوم المناضل كريم يونس بعد 40 عاماً قضاها في الأسر يقول : (مستعد أن أضحي 40 عاماً أخرى من أجل حرية شعبي)، ومن بعده بأيام معدودة، قال ابن عمه ماهر يونس الذي أمضى نفس الفترة، فور خروجه: (نحن شعب الجبارين.. و40 سنة بالأسر مهر للعروس فلسطين.. ومهر حريتها غالٍ).
ببساطة إنه الإيمان بالمعتقد والقناعات، فأولاد يونس يتنفسون على قناعتين راسختين: الأولى هي الإيمان بحتمية النصر، والثانية هي الاستعداد للتضحية. وبالرغم من قضاء أجسادهم من الأعوام أربعين خلف جدارن الزنازين، إلا أن أرواحهم بقيت حرةً، محكومةً بالإيمان الأبدي في الزمان والمكان، وشاهداً حيّاً على أن الفلسطينيون شعب استثنائي في وطن استثنائي.
على الرغم من فرحة الشعب الفلسطيني العارمة بحرية أولاد يونس بداية عام 2023، إلا أن هذا العام يبدو أنه سيكون أكثر دموية وتنكيلاً من الأعوام السابقة، في ظل سطوة اليمين الإسرائيلي المتطرّف، ما يتطلّب تطوير منهجيات وآليات وأدوات نضالية استثنائية دعماً للقضية الفلسطينية.
ومن أجل التطلع إلى المستقبل، وصوناً لإرث الثورة، وإرث أولاد يونس الذين يمثلون أهم رموزها، فإن الإفراج عنهم بعد أربعين عاماً قضوها في معتقلات الظلم الصهيونية- وهي أطول فترة اعتقال سياسي في العالم- محطة يجب الوقوف عندها طويلاً للتعبئة ضد الاحتلال وللنهوض القومي والوطني، من أجل حرية الأسرى الواجبة على كل واحد فينا.
حيث أن الباب لا يزال مفتوحاً ليجتاز أسرى آخرون حاجز الأربعين عاماً وربما أكثر، كما لا يزال مفتوحاً لإرتقاء مزيد من شهداء الحركة الأسيرة، لا سيّما في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي ومن لحظة تشكّلها ونحن نشهد ارتفاعاً غير مسبوقاً لوتيرة النقل والتنكيل داخل السجون الإسرائيلية وإجراءات تصعيدية للأسرى، ما يتطلّب فعل جدي وتحرّك فوري على كافة الجبهات.
بن غفير يتوعّد، والحركة الأسيرة تؤكد جاهزيتها لسحق محاولاته الجنونية .. المطلوب الآن من كل فلسطيني حر شريف، كلٌ في موقعه أن يتقدّم إلى هدفه المعلوم.
*فادي أبوبكر
كاتب وباحث فلسطيني
 
 
 
 
 
 
 
 

في يوم الطفل الفلسطيني بقلم/عبد الناصر فروانة

في . نشر في مقالات

في يوم الطفل الفلسطيني
بقلم/عبد الناصر فروانة
رئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة الاسرى والمحررين
عضو لجنة ادارة الهيئة في قطاع غزة
5 ابريل2023
لقد دفع الأطفال الفلسطينيون ثمناً باهظاً جراء الاعتقالات الاسرائيلية على مدار سني الاحتلال، ومن يقرأ شهادات من مرّ منهم بالتجربة يُصاب بالذهول والصدمة، ويكتشف أن مراكز الاحتجاز وأقبية التحقيق، ليست سوى مسلخ للطفولة الفلسطينية وافتراس لكل ما هو جميل ورائع في حياتهم، وأن ما تضمنته الاتفاقيات الدولية من نصوص جميلة ذات علاقة بحقوق الطفل ليس له مكانة على أجندة الاحتلال حين يكون الأمر متعلقاً بالأطفال الفلسطينيين.
ويُقدر عدد من اعتقلتهم سلطات الاحتلال الإسرائيلي منذ العام 1967 بما يزيد عن (50.000) طفل فلسطيني، ذكوراً وإناثاً، دون مراعاة لصغر سنهم وضعف بنيتهم الجسمانية، ودون توفير الحد الأدنى من احتياجاتهم الأساسية والإنسانية. كما لم تحترم القواعد النموذجية الدنيا في معاملة الأطفال الفلسطينيين المحتجزين في مراكز الاعتقال والتوقيف، بهدف تشويه واقعهم وتدمير مستقبلهم والتأثير على توجهاتهم المستقبلية بصورة سلبية وخلق جيل مهزوز ومهزوم.
وواصلت سلطات الاحتلال اعتقالاتها للأطفال، في كل الاوقات والأزمنة ودون توقف، حيث جعلت من اعتقال الأطفال الفلسطينيين الملاذ الأول ولأطول فترة ممكنة، بخلاف ما تنص عليه الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان وتحديداً اتفاقية حقوق الطفل. وقد سُجل اعتقال نحو (882) طفلا خلال العام المنصرم 2022، فيما اعتقلت سلطات الاحتلال ما يزيد عن (250) طفل منذ مطلع العام الجاري، جُلهم من القدس، ومازالت تحتجز في سجونها ومعتقلاتها قرابة (170) طفلاً في ظروف صعبة.
ويعمد الاحتلال إلى اعتقال الأطفال من منازلهم ليلًا، وأحياناً يتم اعتقالهم وهم يلعبون في الشوارع أو وهم في طريقهم إلى المدارس، ويزج بهم في السجون والمعتقلات، ويُحتجزهم في ظروف سيئة للغاية وضمن شروط حياتية قاسية، ويُعاملهم معاملة لا إنسانية وأحياناً يُعاملهم بقسوة وعنف، ويُحرمهم من أبسط الحقوق. كما ويعرضهم لصنوف مختلفة من التعذيب الجسدي والنفسي، وتُشير الاحصائيات الى ان جميع الاطفال الذين مرّوا بتجربة الاعتقال، تعرضوا لشكل او أكثر من اشكال التعذبب الجسدي او النفسي، هذا بالإضافة إلى فرض الاحكام القاسبة والغرامات المالية الباهظة، و نكاد نُجزم هنا بأن جميع الأحكام التي صدرت بحق الأطفال تكون مقرونة بفرض غرامات مالية باهظة.
وخلال السنوات الأخيرة ناقش الكنيست الإسرائيلي (البرلمان) وأقر العديد من القوانين التي تستهدف الأطفال الفلسطينيين، وتهدف الى تغليظ الأحكام الصادرة بحقهم.
إن كافة الوقائع والشهادات تؤكد على أن دولة الاحتلال الإسرائيلي بكل مكوناتها تشارك في استهداف الأطفال الفلسطينيين، في إطار سياسة إسرائيلية ثابتة وممنهجة تهدف إلى تشويه واقع الطفولة الفلسطينية وتدمير مستقبلها. الأمر الذي يستوجب من الجميع، تدارك خطورة ما تقترفه دولة الاحتلال بحق الأطفال الفلسطينيين، والعمل على حماية الاطفال من خطر الاعتقال وتأثيراته.
يُذكر أنه في الخامس من نيسان عام 1995، وفي مؤتمر الطفل الفلسطيني الأول، أعلن الرئيس الراحل ياسر عرفات التزامه باتفاقية حقوق الطفل الدولية، وأعلن الخامس من نيسان يومًا للطفل الفلسطيني؛ علما بأن المصادقة الرسمية لدولة فلسطين على اتفاقية حقوق الطفل الدولية كانت في 2 نيسان 2014م.
*عبد الناصر فروانة: أسير محرر ومختص بشؤون الأسرى والمحررين، وعضو المجلس الوطني الفلسطيني، ورئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحررين، وعضو لجنة إدارة هيئة الأسرى في قطاع غزة، وله موقع شخصي مختص بشؤون الأسرى "فلسطين خلف القضبان".
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

في الذكرى 21 لعملية "وادي الحرامية"

في . نشر في مقالات

في الذكرى 21 لعملية "وادي الحرامية"
*بقلم/ عبد الناصر عوني فروانة
رئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة الاسرى والمحررين
عضو لجنة ادارة الهيئة في قطاع غزة
الثالث من آذار/مارس عام2002، يوم ليس ككل الأيام. يوم حفر عميقاً في الذاكرة الفلسطينية وسجل المقاومة. يوم أن نُفذت فيه واحدة من أمهر عمليات القنص في العالم على يد شاب فلسطيني ثائر أراد أن ينتقم لشعبه من ظلم الاحتلال وقهره، إسمه "ثائر حماد".
الثالث من آذار/مارس يدفعني دائما لاستحضار الماضي القريب، فأجد نفسي مندفعاً نحو الكتابة، عشقاً للمقاومة المشروعة، واحتراماً وتقديراً لمن أجادوا أدواتها وممارستها، ووفاءً لمن آمنوا بخيار المقاومة وسيلة لدحر الاحتلال وانتزاع الحرية.
الثالث من آذار/مارس يدفعنا جميعاً لاستحضار التاريخ العريق لحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" التي ينتمي إليها ذاك الثائر الذي جعل من هذا اليوم تاريخاً ساطعاً في سجل المقاومة الفلسطينية والعربية. "فتح" التي تحتل مساحة هي الأوسع في الذاكرة الفلسطينية المعاصرة، بتاريخها العريق وسجلها الحافل وحضورها الدائم.
الثالث من آذار/مارس عام 2002 يوم أن ترجل فارس البندقية ابن "كتائب شهداء الأقصى" التابعة لحركة فتح وأطلق من بندقيته الخاصة ستة وعشرون رصاصة فقط، على حاجز عسكري اسرائيلي شمال مدينة رام الله يسمى حاجز "عيون الحرامية"، ليقتل بها أحد عشر جندياً اسرائيلياً ويصيب ثمانية آخرون، ولو لم تنفجر البندقية بين يديه لقنص المزيد ورفع عدد القتلى والمصابين؛ في عملية وصفت بأنها الأمهر والأكثر دقة، وأشهر وأخطر عمليات المقاومة الفلسطينية خلال انتفاضة الأقصى.
لذا ليس بالضرورة أن تكون فتحاوياً كي تعشق هذا الفارس، وتحترم اسمه، فيكفيك فخراً أن فلسطين أنجبته، ليثأر لكل فلسطيني عانى من الاحتلال الاسرائيلي. كما وليس بالضرورة أن تكون فلسطينياً، كي تتعرف على ثائر لقن جيش الاحتلال درساً لم ولن ينساه أبد الدهر، في القنص ودقة التصويب، وفي الجرأة والشجاعة، ليستحق لقب أمهر قناصي العالم.
"ثائر كايد قدورة حماد" فلسطيني الهوية، فتحاوي الانتماء، من مواليد 25تموز/يوليو عام1980 أعزب ويسكن بلدة سلواد قضاء رام الله، استطاع بمفرده وايمانه بالله ورضاه وبهدوء المقاتل وحنكة الثائر متسلحاً ببندقية أمريكية من ماركة "أم1"، قديمة الصنع تعود لزمن الحرب العالمية الثانية، أن ينفذ واحدة من أمهر عمليات القنص في تاريخ المقاومة الفلسطينية. وبتقديري فيما لو أجريت مسابقة عالمية للقنص باستخدام ذات البندقية القديمة لحصل "ثائر" على المرتبة الأولى واستحق وعن جدارة لقب أمهر قناصي العالم.
استيقظ ثائر، اسم على مسمى، صباح يوم الأحد الثالث من آذار/ مارس عام 2002، وتوضأ وأدى صلاة الفجر وتناول نسخة المصحف في جيبه، وارتدى بزة عسكرية لم يسبق وشوهد يرتديها وتمنطق بأمشاط الرصاص وامتشق بندقيته وتفقد عتاده المكون من سبعين رصاصة خاصة بهذا الطراز القديم من البنادق. وامتطى الفارس صهوة جواده وانطلق به الى جبل الباطن إلى الغرب من بلدة سلواد، وتحصن بين الصخور وأشجار الزيتون وصوب بندقيته صوب الحاجز العسكري بجنوده ومكوناته التي تشوه المكان، فيما يُسمى حاجز "وادي الحرامية" واخذ يراقب ويستعد بانتظار ساعة الصفر.
وفي السادسة إلا ربع صباحاً ضغط بأصبعه على زناد بندقيته وأطلق الرصاصة الأولى، واستمر في إطلاق الرصاص وهو يصيب الواحد تلو الآخر من جنود الاحتلال، ومن ثم ترجل عدد من المستوطنين، فنالهم ما نال الجنود من رصاص، ودورية أخرى وصلت للمكان للتبديل، فأصابها ما أصاب من كان قبلها في المكان، وفجأة انفجرت بندقيته العزيزة بين يديه وتناثرت أشلاء فأجبر على إنهاء المعركة بعد أن أطلق ستة وعشرين رصاصة فقط، استقرت جميعها في أجساد جنود الاحتلال ومستوطنيه وأسفرت عن مقتل أحد عشر جنديا ومستوطنا وإصابة ثمانية آخرون ، حتى ساد الصمت منطقة الحاجز بأكملها وفي الساعة السابعة والنصف قرر الانسحاب عائداً الى بيته وكأن شيئاً لم يحدث.
وفي أعقاب العملية فرضت قوات الاحتلال طوقاً حول بلدة سلواد ونفذت حملة تمشيط بحثاً عن المنفذين المحتملين وأعتقل ثائر وأفرج عنه بعد ثلاثة أيام ، ربما لم يدر في خلد المحققين ان هذا الفتى ابن الثانية والعشرين في حينها هو منفذ العملية، حيث كانت كل التوقعات تشير الى رجل عجوز ، وبعد نحو واحد وثلاثين شهرا داهمت قوات الاحتلال منزله واعتقلته في الثاني من تشرين أول/أكتوبر عام 2004، وبعد أكثر من ثلاثين جلسة للنظر في قضيته، أصدرت محكمة عوفر العسكرية في التاسع والعشرين من تشرين أول/أكتوبر 2006 حكما بالسجن الفعلي المؤبد (مدى الحياة) احد عشر مرة.
هكذا تمر قوافل الأبطال، إما شهداء إلى القبور أو أسرى داخل السجون. فالمجد للشهداء والحرية للأسرى ومنا العهد والوفاء.
ثائر اسمك، وأنت ليس بثائر مثلهم. فمنك الثوار تعلموا وبك الفلسطينيون على اختلاف انتماءاتهم يفتخروا.
عن الكاتب:
عبد الناصر فروانة: أسير محرر ومختص بشؤون الأسرى والمحررين، وعضو المجلس الوطني الفلسطيني، ورئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحررين، وعضو لجنة إدارة هيئة الأسرى في قطاع غزة، وله موقع شخصي مختص بشؤون الأسرى "فلسطين خلف القضبان".
 
 
 
 
 
 
 

إبعاد صلاح الحموري ونهج التطهير العرقي في القدس الكاتب/عبد الناصر عوني فروانة رئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة الاسرى والمحررين وعضو لجنة ادارة الهيئة في قطاع غزة

في . نشر في مقالات

"إن فلسطينيتنا خيارٌ واختيار، وفاءٌ وانتماء، أرضٌ وذاكرة، مكانٌ وزمان، فلا قرار تهجير قسري وتطهير عرقي يرهبنا، ولا قوة فوق الأرض تستطيع أن تقتلع فلسطين، وشعب فلسطين من عقولنا ووجداننا.... أنا أغادرك اليوم يا وطني مجبراً ومكرهاً. أنا أغادرك اليوم من السجن إلى المنفى؛ لكن سأبقى وفياً لك، وحريصاً على حريتك، سأحملك معي أينما كنت، وستبقى أنت بوصلتي الوحيدة، وإلى أن نلتقي مجدداً." هذه ليست مجرد كلمات قالها الأسير صلاح الحموري في لحظة عابرة قبيل إبعاده؛ إنما هي تعبير أصيل عن انتماء صادق والتزام دائم وإيمان راسخ بالواجب الوطني العظيم تجاه وطنه وشعبه.
وللدلالة أكثر، يشدد الحقوقي المقدسي بعد إبعاده بالقول: "المنفى لن يغيّر أبداً من قناعاتي ومواقفي. نعم، هم استطاعوا تغيير موقعي ومكان إقامتي، لكنهم لم ولن يستطيعوا تغيير الفكر الذي أحمله، ولا الرؤية التي أتبناها، ولا الإرادة الفولاذية التي أتحلى بها."
وبذلك يؤكد الحموري على أن تهجير الفلسطيني من وطنه، ونفيه بعيداً عن مدينة القدس، أو إبعاده قسراً عن دياره ومكان سكناه، لا يمكن أن يقتلع الوطن من داخله، فالوطن يسكن داخل كل فلسطيني، وأن حب الوطن عميق وغير عادي، ويحتل كل خلية من جسد المواطن المنتمي، وأن هموم الوطن تؤرق وتؤلم كل مواطن فلسطيني حر أينما كان.
وكانت سلطات الاحتلال الإسرائيلي أبعدت الحموري إلى فرنسا يوم الأحد في الثامن عشر من كانون الأول/ديسمبر 2022، بعد اعتقاله إدارياً لمدة تسعة أشهر، من دون تهمة أو محاكمة، وبعد المصادقة على سحب هويته وحرمانه من الإقامة بالقدس، بحجة خطره على المواطنين وعدم الولاء لدولة الاحتلال والانتماء إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ونشاطه فيها.
وكان الحموري قد تفاجأ بنقله في منتصف الليل من سجن "هداريم" إلى مكان مجهول، وتم احتجازه في السيارة مكبلاً بيديه وقدميه حتى الساعة السادسة والنصف من صباح اليوم التالي الموافق فيه الثامن عشر من كانون الأول/ ديسمبر 2022، وحينها، نُقل إلى الطائرة، حيث ظل مكبلاً طوال الرحلة، وصولاً إلى فرنسا.
وكانت سلطات الاحتلال الإسرائيلي أعادت اعتقال المحامي صلاح الحموري في السابع من آذار/مارس 2022، بعد اقتحام وتفتيش منزله في بلدة كفر عقب في محافظة القدس؛ حينها، أصدر القائد العسكري أمر اعتقال إداري بحقه لمدة ثلاثة أشهر، من دون تهمة أو محاكمة، وفي اليوم المحدد للإفراج عنه، جرى تجديد أمر الاعتقال الإداري لمدة ثلاثة أشهر أُخرى، إلا إن سلطات الاحتلال لم تفرج عنه بعد انتهاء المدة، وأبقته رهن الاعتقال كما في المرة الأولى، واستخدمت سيف التجديد المسلط على رقاب المعتقلين الفلسطينيين، وجددت أمر اعتقاله الإداري لثلاثة أشهر أُخرى قابلة للتجديد إلى أجل غير مسمى، استناداً إلى ما يُعرف بـ "الملف السري" الذي لا يُسمح للمعتقل أو لمحاميه، بالإطلاع عليه.
وبعد انتهاء مدة اعتقاله الإداري في الخامس من كانون الأول/ديسمبر 2022، عقدت المحكمة في اليوم التالي جلستيْ استماع بخصوص ترحيل المعتقل الإداري صلاح الحموري، بحضور الممثلين القانونيين والقنصل الفرنسي، كونه يحمل الجنسية الفرنسية، وقررت رفض طلب محاميه الإفراج عنه، وإبقائه في الاعتقال إلى حين البت بقرار إبعاده.
وبالمناسبة، هذه لم تكن المرة الأولى التي يُعتقل فيها الحموري، إذ سبق أن اعتقلته سلطات الاحتلال عدة مرات، وأمضى ما مجموعه تسعة أعوام في سجون الاحتلال الإسرائيلي، كما تعرّض لكثير من إجراءات الملاحقة والمحاصرة والمراقبة والتضييق، وكانت المرة الأولى التي يُعتقل فيها صلاح سنة 2001 لمدة خمسة أشهر، وكان يبلغ من العمر 16 عاماً، بينما أمضى في إحداها سبعة أعوام متتالية، وأُطلق سراحه في 18 كانون الأول/ديسمبر 2011، وقبل انتهاء مدة محكوميته بثلاثة أشهر، ضمن الدفعة الثانية، بموجب صفقة (شاليط) التي تُعرف فلسطينياً بصفقة "وفاء الأحرار"، ثم بدأ مشواره مع الدراسة في جامعة أبو ديس ليصبح محامياً مزاولاً وناشطاً ومدافعاً عن حقوق الإنسان.
من هو صلاح الحموري؟
صلاح حسن الحموري، هو محامٍ فلسطيني وحقوقي ومدافع عن حقوق الإنسان، وكان أحد موظفي مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، وُلد بتاريخ 25 نيسان/أبريل 1985، تربى وترعرع وتعلم في مدينة القدس، حيث يقيم هناك، ويحمل الهوية المقدسية والجنسية الفرنسية، وهو الابن الأكبر لأب فلسطيني وأم فرنسية، لديه أخت (كارولين) وأخ (أمير)، تزوج سنة 2014 من "إلسا ليفورت" وهي فرنسية الجنسية، وقد جاءت بتأشيرة سياحية لتعيش معه في فلسطين بعد زواجهما، إلا إن سلطات الاحتلال رفضت تجديد التأشيرة بعد انتهائها، كما لم تردّ على طلب لمّ الشمل الذي تقدم به زوجها.
واستمر ذلك حتى نهاية سنة 2015، حين حصلت "إلسا" على تأشيرة عمل مع القنصلية الفرنسية في القدس لمدة عام كامل، ثم قررت السفر إلى فرنسا لزيارة أهلها بصحبة زوجها صلاح قبل أن يحين موعد الولادة، إذ إنها كانت حاملاً في شهرها السادس، وعند عودتها من فرنسا في الخامس من كانون الثاني/ يناير 2016 تم منعها من دخول فلسطين، وجرى حجزها في غرفة توقيف داخل مطار بن غوريون وهي حامل في أشهرها الأخيرة في ظروف صعبة، ومن دون أي رعاية صحية، وبعد يومين، أُجبرت على مغادرة البلاد والعودة إلى فرنسا. وبعد ترحيلها، أصدرت سلطات الاحتلال قرارها برفض طلب لمّ الشمل الذي سبق أن قدمه زوجها، ومنذ ذلك الحين، وهي ممنوعة من العودة إلى بيتها في القدس وممارسة حياتها بشكل طبيعي مع زوجها الذي تعرّض لحملة إسرائيلية ممنهجة ضده، بدءاً من اعتقاله الإداري واحتجازه التعسفي وتقييد حركته، مروراً بالتجسس على هاتفه ومراقبته، وصولاً إلى سحب إقامته المقدسية وإبعاده إلى فرنسا، ليلتحق بزوجته وحرمانهما من زيارة القدس بقرار إسرائيلي. لكنه لم يستسلم، وقرر مواصلة النضال القانوني إلى جانب حقوق شعبه وضد سحب هويته المقدسية وتهجيره القسري.
وكانت وزارة الخارجية الفرنسية دانت في بيان لها قرار السلطات الإسرائيلية المخالف للقانون الدولي بترحيل صلاح الحموري إلى فرنسا.
وقالت: "منذ اعتقاله الأخير، اتخذت فرنسا إجراءات كاملة، بما في ذلك على أعلى مستوى في الدولة لضمان احترام حقوق الحموري وتمكينه من أن يعيش حياة طبيعية في القدس، حيث وُلد ويقيم ويرغب في العيش." وتابعت: "اتخذت فرنسا خطوات عديدة مع السلطات الإسرائيلية للتعبير عن معارضتها لطرد فلسطيني مقيم بالقدس الشرقية، وهي أرض محتلة بالمعنى المقصود في اتفاقية جنيف الرابعة."
إبعاد الحموري جزء من نهج الاحتلال القائم على التطهير العرقي في القدس
إن إبعاد الحموري يندرج ضمن استهداف الناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان في فلسطين، بهدف النيل من إرادتهم ومنعهم من ممارسة دورهم المجتمعي في التوعية والدفاع عن حرية الأفراد وحقوقهم. كما يُعتبر بمثابة تشريع احتلالي جديد لطرد الفلسطينيين وإبعادهم عن العاصمة الفلسطينية المحتلة، كجزء من نهج الاحتلال القائم على التطهير العرقي والتهجير القسري للفلسطينيين في القدس، تحت ذرائع وحجج مختلفة، وهو امتداد لسلسلة قوانين وسياسات عنصرية سنّتها سلطات الاحتلال منذ سنة 1967؛ لتقليص الوجود الفلسطيني في المدينة المقدسة وتغيير معالمها الديموغرافية والجغرافية والتاريخية، وصولاً إلى إفراغها من سكانها الأصليين، وتهويدها، وتحقيق أغلبية يهودية.
الإبعاد والقانون الدولي
إن الإبعاد سياسة قديمة جديدة، اتبعتها دولة الاحتلال الإسرائيلي بشكل ممنهج، وكوسيلة من وسائل العقاب الجماعي للفلسطينيين، فقد هدمت القرى الفلسطينية وهجّرت سكانها، قبيل إعلان دولتها سنة 1948، ثم واصلت هذه السياسة وطورتها بعد احتلالها ما تبقى من فلسطين سنة 1967، وأبعدت آلاف الفلسطينيين عن ديارهم، وتصاعدت عمليات الإبعاد - الفردي والجماعي- خلال انتفاضة الحجارة سنة 1987، ثم تراجعت مع بدايات سنة 1994، مع تطبيق المرحلة الأولى من اتفاق أوسلو، وقيام السلطة الوطنية الفلسطينية، وعادت هذه السياسة إلى الظهور مرة أُخرى مع اندلاع انتفاضة الأقصى في أواخر سنة 2000، وبوتيرة متصاعدة، وأبعدت منذاك الوقت نحو 300 فلسطيني/ة من القدس والضفة الغربية، وأن أغلبية هؤلاء تم إبعادهم إلى قطاع غزة، وليس انتهاءً بسحب الهوية المقدسية وحق الإقامة وإبعاد المعتقل الإداري صلاح الحموري إلى فرنسا. مع العلم بأن هذا العدد لا يتناول مَن تم إبعادهم لفترات محدودة داخل أحياء القدس، أو من القدس إلى مناطق في الضفة الغربية.
إن سياسة إبعاد المواطنين بشكل فردي أو جماعي، ونفيهم قسراً إلى أماكن بعيدة عن مكان سكناهم، داخل مناطق الأراضي المحتلة أو خارجها، وتحت ذرائع وحجج مختلفة، سواء بالإكراه، أم بموافقة الشخص المبعَد، ولفترة زمنية محددة، أم بصورة دائمة، في إطار اتفاقيات، فردية كانت أم جماعية- بغض النظر عن ظروفها ودوافعها وآليات تنفيذها- ما هي إلا ممارسة قسرية وغير قانونية، وتُعتبر من أقسى العقوبات المحظورة وغير المشروعة، وتمثل انتهاكاً خطيراً ومخالفة صريحة للقانون الدولي، وتشكل جريمة ضد الإنسانية، وعقاباً فردياً وجماعياً للمبعدين ولعائلاتهم، وتشتت الأُسر وتشرذم العائلات، وتشرد السكان وتخلق مشكلات سياسية واقتصادية ونفسية واجتماعية يصعب حلها لاحقاً.
كما يمثل الإبعاد الإسرائيلي للفلسطينيين خرقاً لاتفاقية جنيف الرابعة (1949)، التي حظرت النقل الجبري للسكان، بموجب أحكام المادة 49 التي تنص على أنه: "يحظر النقل الجبري - الجماعي أو الفردي - للأشخاص المحميين، أو نفيهم من أراضي دولة الاحتلال إلى أراضي أي دولة أُخرى، محتلة أو غير محتلة، أياً كانت دواعيه."
عن الكاتب:
عبد الناصر فروانة: أسير محرر ومختص بشؤون الأسرى والمحررين، وعضو المجلس الوطني الفلسطيني، ورئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحررين، وعضو لجنة إدارة هيئة الأسرى في قطاع غزة، وله موقع شخصي مختص بشؤون الأسرى "فلسطين خلف القضبان".