الحركة الأسيرة

التأمين الصحي بين البساطة والتعقيد والثقافة الأسرية

في . نشر في مقالات

بقلم: أ. ابراهيم نجاجرة/هيئة شؤون الأسرى والمحررين

الرعاية الصحية حاجة انسانية اساسية تتطور وتتنوع مع تطور المجتمعات وتوسع الخدمات وتشابكها والاعتماد على استشارة الاطباء وتوجيهاتهم عند كل ازمة صحية سواء كانت بسيطة او مؤقتة ويلاحظ ان معظم المواطنين لا يؤمنوا على انفسهم واسرهم  بشكل مسبق  وطوعي وعند الحاجة يذهب المواطنون في اغلب الاحيان الى الاطباء في العيادات الخاصة والمراكز الصحية والاهلية وما يلاحظ ان المواطن يقوم بدفع ما يطلب منه من رسوم بدل فحص وكشفيات واحيانا فحوصات مخبرية ظنا منهم ان الحاجة قضيت بدفع هذا وقد تكون الفاتورة الشهرية بمئات الشواقل في الوقت الذي لو كان المواطن مشترك ومسدد لرسوم التامين الصحي فانه يوفر كثير من المبالغ ويحصل على كثير من الخدمات الطبية الحكومية بناءً على شهادات الكثير من المؤسسات والخبراء هي خدمات عالية الجودة والثقة ومنافسة في كثير من البرامج والخدمات للدول المجاورة .

كثير من المواطنين بشكل ارادي او غير ارادي يضع نفسه في معضلة من خلال التوجه للاقامة  او العلاج في المشافي او مراجعة العيادات التخصصية دون ان يكون مسدد لرسوم التامين الصحي علما ان التامين الصحي نوعان المواطن العادي وتبلغ قيمة الرسوم (960) شيقل للعام و التامين الذي يصدر للعمال  المنظمين (الذي يحضر شهادة اثبات انتساب من  احدى نقابات العمال ) وقيمة التامين تكون (660)شيقل للعام علما ان التامين الصحي لا يغطي التحويلات الطبية الابعد ثلاث شهور من سريان المفعول  ، كما ان التامينات التي تصدر لاسر الشهداء والاسرى والجرحى لها ميزة ايجابية بانها تغطي الحوالات الطبية من تاريخ صدور التامين الصحي .

ما دفعني للكتابة حول هذا الموضوع هو كثرة طلبات الحصول على تأمين صحي مجاني للاسرى المحررين والذين  لا يستطيعون الحصول على التامين وفق القانون وهم الفئة التي امضت اقل من عام في الاسر وهؤلاء شريحة واسعة ويقدر عددهم بعشرات الالاف ويمثلوا جميع شرائح المجتمع الفلسطيني وغالبيتهم ان لم يكن جميعهم يعملوا في اعمال متعددة متنوعة سواء لحسابهم الخاص او في القطاعات الاهلية وهم ايضا لديهم أسر وأطفال ومسؤولين عن انفسهم وغيرهم من افراد الاسرة ونظرا لتشعب التوجهات والمنطلقات الفكرية في المجتمع الفلسطيني فإن التامين الصحي كحق مجتمعي واساسي لازال نقطة خلاف مجتمعي امام فشل اقرار قانون الضمان الاجتماعي، حيث ان كثير من المؤسسات التجارية والخدماتية تتهرب من توفير خدمة التامين الصحي لمستخدميها مما يجعل من المواطن عرضة للازمات الصحية الفجائية وعندما يتوجه المواطن لطلب الرعاية الصحية بدون حصوله على بطاقة تامين صحي ساري المفعول فانه يقع في نزاع مع المؤسسة الطبية والجهاز الحكومي لتغطية تكاليف الرعاية والخدمات، وقد يدفع قيمة التامين الصحي عطل ومواصلات وهو يراجع الدوائر الحكومية لحل مشكلة كان  بالامكان ان يتجنب كل هذا الجهد المالي والنفسي وبعض المواطنين قد يتجنب الذهاب وطلب الخدمة الطبية خوفا من هذه المشاكل والصعوبات وتكون النتائج مضاعفة عليه او على اسرته عندما يتفاقم المرض وتتضاعف الاثار الجانبية ومرد ذلك الى الثقافة المجتمعية التي يتبناها معظم افراد المجتمع بعدم اهمية التامين الصحي المسبق .

المشكلة التي نواجهها في هيئة شؤون الاسرى والمحررين هي عدم القدرة على تلبية طلبات وحاجات من لا تنطبق عليهم الشروط وفي حال تلبية هذه الحاجة بشكل استثنائي فانها تكون لعدد قليل ومحدود لان القانون واضح والاستثناء هو لحالة الامراض المستعصية والخطيرة، بينما دوافع ومبررات طالبي الخدمة تتنوع ما بين الحق في الحصول على الخدمة لاسباب نضالية لانه يرى في نفسه معتقل او مطارد او هدم بيته ويقارن نفسه بغيره من الذين يحصلون على هذه الخدمة بغض النظر عن مدة الاعتقال او الحاجة المادية ويرى فيها حق لتعزيز دوره وتاريخه النضالي .

وعليه ان الثقافة المجتمعية والاسرية هي عامل حاسم في كيفية تدبر وادارة شؤون الحياة اليومية والاسرية واهمها الرعاية الصحية حيث ان رسوم التامين الصحي في كلا الحالتين هي رسوم لا تعتبر عالية ومكلفة اذا ما تم النظر لها من زاوية ان معدل الانجاب للاسرة الفلسطينية هي ستة افراد فعندما تكون رسوم التامين الصحي (960) شيقل للعام لكل الاسرة وقد تضيف عليها الوالدين اذا كانوا فوق سن (60) واذا قسمناها على (365) يوم في العام فانه يكون مطلوب من المواطن ان يوفر او يقطتع(2.7) اثنان شيقل وسبع اجورات في اليوم ويكون نصيب الفرد الذي ينتمي الى اسرة مكونة من ستة افراد هو اقل من (نصف شيقل) في اليوم وهذه مبالغ اذا ما تم توفيرها بناءً على خطة مسبقة وتدريب فانها مبالغ لا تذكر امام ما يتم صرفه على جوانب مادية استهلاكية وليس لها أي اثر صحي على الفرد او الاسرة، فهي مبالغ قابلة ان يتم دفعها من اي اسرة اذا ما توفرت الرغبة والارادة والثقافة ولا ننسى بان قيمة التامين الصحي يصعب توفيره بشكل كامل ودفعة واحدة لذلك كيف لنا ان ندرب انفسنا ومواطنينا على ان الرعاية الصحية هي اغلى واهم من أي خدمات وحاجات اسرية اخرى على قاعدة المال ياتي ويذهب والصحة تذهب ولا تاتي وضرورة ان يكون في كل بيت حصالة توفير لرسوم التامين الصحي بشكل مسبق وهذا ياتي في سياق التميكن والتوعية لضرورة التامين على انفسنا بشكل مسبق اذا تعذرت وسائل التامين الاخرى، ان هذه المشكلة تحتاج الى ثقافة وتربية وتوعية اسرية تبدأ في المدرسة وتنتهي بكل مراحل الحياة حول كيف نتدبر امور حياتنا اليومية .

 

صرف مخصصات الأسرى (بين الاستحقاق والتبرير والقرصنة الاسرائيلية)

في . نشر في مقالات

بقلم: أ. ابراهيم نجاجرة/هيئة شؤون الأسرى والمحررين

 ان خدمات الرعاية والرفاه الاجتماعي ظاهرة اجتماعية رافقت تطور البشرية والمجتمعات منذ القدم وتطورت وتنوعت مع تطور الحضارات بما يتناسب مع طبيعة كل دولة ومجتمع وفق معايير عامة ، حيث ان هذه الخدمات حقوق مكتسبة بحكم القيم والاعراف المجتمعية والدولية ، تقدم وفق احتياجات معلنه او معبر عنها او نتيجة دراسات وابحاث (حاجات معياريه) او حاجات مقارنه بين فئات الشعب الواحد .

وبعد الاحتلال الاسرائيلي للأراضي المحتلة عام 1967م ، انطلقت حركة احتجاج شعبية لمواجهة الاحتلال وأثاره وكانت ردة فعل سلطات الاحتلال الاسرائيلي القتل والاعتقال وهدم البيوت والإبعاد طالت جميع فئات الشعب الفلسطيني نساء ورجال وموظفين وعمال ومهنيين وكانت تهدف الى تطويع الشعب الفلسطيني لإجباره على قبول الاحتلال ، وقد تمسك الشعب الفلسطيني في نضاله ضد الاحتلال بالقيم والمواثيق والقوانين الدولية التي تعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وبعدم شرعية الاحتلال .

وعليه قامت منظمة التحرير الفلسطينية منذ بداية سبعينيات القرن الماضي بإنشاء موسسة الاسرى والشهداء وبدأت بصرف مخصصات مالية لحماية الاسرى وذويهم من العوز والحاجة والحرمان ولان هؤلاء الاسرى ليسوا فقط اشخاص ومواطنين  وهم اعضاء في التنظيمات ومقاتلين فلهم حق على المؤسسه والمظلة السياسية ان توفر لهم الحماية والأمن المادي والمعنوي.

وبعد اتفاق اوسلو وإنشاء السلطة الوطنية كانت مخصصات الاسرى تصرف تحت مظلة وزارة الشؤون الاجتماعية  ، إلا ان الاسرى والأسرى المحررين بشكل شخصي او عبر المؤسسات الوسيطة ومؤسسات المجتمع المدني والتنظيمات السياسية طالبوا بتشكيل وزارة للأسرى تقوم على رعايتهم وحفظ كرامتهم رفضا للتعامل مع معهم على انهم قضية اجتماعيه وعليه صدر قانون انشاء وزارة شؤون الاسرى والمحررين 1998، لتقديم خدمات الرعاية المادية والتأهيل والدمج الاجتماعي للأسرى المحررين في جميع الاراضي المحتله منذ عام 67  (والقدس)  وقد وصل عدد الاسرى في سجون الاحتلال حتى 15/9/2000 (350)اسير ومعظمهم ممن رفضت اسرائيل اطلاق سراحهم لارتباطهم بعمليات عسكرية ومن ذوي الاحكام العالية وهذا كان مخالف للاتفاقيات ، علما ان الشعب الفلسطيني تجاوب مع توجهات القياده السياسية في التوجه نحو السلام والهدوء.

الا ان اسرائيل استغلت الامور وإعادتها للمربع الاول بعد ان رفضت الالتزام بتطبيق كامل بنود اتفاقية اوسلو وقيام شارون باقتحام المسجد الاقصى متحديا الارادة العربية والدولية والإسلامية والرفض الفلسطيني للزيارة مما اشعل انتفاضة شعبية واسعة وعارمة انخرط فيها جميع فئات الشعب الفلسطيني وأبناء الاجهزة الامنية لمواجهة الة القمع الاسرائيلي للأرض والإنسان ،حيث وصل عدد الاسرى ولأول مرة الى اكثر من (11500) احد عشرة الف وخمسمائة اسير ، وقد رافقت عمليات القمع والقتل والهدم والاعتقال احكام عالية وخيالية وغرامات باهظة  ، وبعد عام 2011 اصبح هناك زيادة ملحوظة في اعداد الاسرى الذين امضوا سنوات طوال أي خمسة سنوات فأكثر(5 سنوات) والأحكام المؤبدة وأيضا زيادة في اعداد الاسرى الذين امضوا سنوات فوق العشرة(10 سنوات) وبدأت حركة اجتماعية مطلبيه بضرورة زيادة مخصصات الاسرى وذويهم لمواجهة مشاكل وأعباء الحياة الاجتماعية والاقتصادية والناجمة عن الاحتلال والاعتقال الطويل .

وبدأت الاجتماعات والمطالب والاعتصامات والمراسلات على جميع المستويات وعلى اثر ذلك تم تعديل قانون الاسرى والمحررين وإقرار اللوائح التنفيذية له عام 2013 لمواجهة التحديات التالية :

1 – لمواجهة حاجات ومشكلات اجتماعية لدى الاسرى وذويهم هذه الحاجات عبروا عنها وطالبوا بها وهي ايضا نتاج ابحاث ودراسات اجتماعية (حاجات معيارية) وأيضا كثير من الاسرى وأصحاب الاحكام العالية اصبحوا يقارنوا اوضاعهم بأمثالهم من ابناء الشعب الفلسطيني الذين التحقوا بالمؤسسة الامنية والمدنية وتدرجوا في السلم الوظيفي.

وقد جاء نظام التوظيف المالي لكي يسد هذه الحاجة ويلبي احتياجات ومطالب الاسرى (حاجات مقارنه).

2-  ان الاعتقال وما ينتج عنه من اثار نفسية وصحية تؤدي الى المرض والكسل والبطالة وعدم القدرة على العمل وفقدان المؤهلات وخاصة لذوي الاحكام العالية لذلك هذه المخصصات جاءت لمواجهة الشعور بانعدام الامان لهم ولأسرهم ولمنع التمييز سواء في المكانة او الدور او الاستحقاق ولمواجهة اتساع فئة الاسرى والأسرى المحررين من حيث الكم والنوع ومنع الاستغلال للأطفال والنساء والفئات الضعيفة منهم .

3- ان هذه المخصصات هي شكل من اشكال الضمان الاجتماعي الذي اتخذته الدول الغربية قبل اكثر من مئة عام وهدفه توفير فرص العلاج والتعليم ، ومحاربة الجهل والفقر ومنع الشعور بالعزلة  ولتحقيق قيم المساواه والعدالة الاجتماعية وتقوية الروابط الاجتماعية وتحقيق الاندماج الاجتماعي  .

4- تعمل هذه المخصصات لمواجهة الانقلاب في دورة حياة الاسرى وخاصة الذين امضوا عشرة سنوات فاكثر حيث ان الاسير يخرج من الاسر مثقل بالهموم والمسؤوليات  لمرحلة ما بعد التحرر ، مرحلة الانطلاق والاندماج في الحياة في مرحلة متاخره وقدرات وظيفية وإنتاجية متدنية وخوف على مستقبل اسرته في ظل تقدمه بالسن لذا كان لا بد من رفع نسبة المخصصات للأسرى داخل السجون لكي تستطيع الاسرة ان تقوم وتغطي اعباء ومصاريف الاسره واحتياجات الاسير داخل السجن على ضوء غلاء المعيشة وارتفاع الاسعار ومنع ادارة السجون من تقديم ما يلزم للأسير وقد ساعدت هذه المدفوعات على استقرار الوضع داخل السجون وأيضا بعد التحرر لكي يبدا مرحلة الاندماج بالحد الادنى من المقومات المعنوية والمادية  .

5- ان سلطات الاحتلال تحد من قدرة الاسير على الحركة سواء بالعمل او السفر من خلال المنع الامني لذا من المهم ان يشعر الاسير بالرضى عن مستوى معيشته ولو بالحد الادنى لمنع التطرف والفلتان الامني والاجتماعي لان الاسير اصبح لديه شعور ان كرامته محفوظة وان سنوات الاعتقال لم تذهب سدى وهدر وله قيمة مجتمعية وإنسانيه .

6- لقد سعت السلطة الوطنية والدولة الفلسطينية الحديثة عبر خدماتها لكافة قطاعات الشعب الفلسطيني على تحقيق الاستقرار والهدوء نحو تحقيق السلام الشامل  وان اهم فئة هم الاسرى لان لديهم القدرة على التنظيم والاحتجاج والاعتراض وان حصولهم على الحقوق عامل مهم في دعم السلطة الوطنية ومؤسساتها وحكومتها ونظامها السياسي .

7- ان تنظيم عمليات الصرف المالي هو مطلب دولي ولتعميق مبدأ الشفافية والمحاسبة والمساواة وعدالة التوزيع لدى مؤسسات الدولة الفلسطينية .

وان قيام دولة الاحتلال بالمصادقة على اقتطاع اموال الشعب الفلسطيني هو اجراء منافي لكل القيم والأعراف والمواثيق الدولية ، ليس من باب التنظير بل لأنها تريد ان تطوع دول العالم وقيمها وتقلب مفاهيم التضامن والمقاومة الشعبية والسلمية لصالح شرعنة الاحتلال ، تريد ان تفرض الاستسلام على الشعب الفلسطيني، على العالم ان يجبر الاحتلال ان يطبق اتفاقيات ومعاهدات السلام والقرارات الدولية حتى لا يكون اسرى وشهداء وجرحى ، وغير ذلك الشعب الفلسطيني مطالب ان يدافع عن حقوقه الاجتماعية والسياسية .

 

 

"وليد شرف"…اعتقال وهمي وقتل بطيء

في . نشر في مقالات

  بين أسرة المشافي والحقن المسكنة يمكث الأسير المقدسي وليد شرف "25 عام" بعد ان نقلته سلطات الاحتلال إلى أحد المستشفيات المدنية التابعة لها نظراً لخطورة وضعه الصحي ،فيما سبق نقله من معتقل عوفر إلى عيادة معتقل الرملة بعد تدهور حالته الصحية .

النحيل ضمورٌ في الجلد، ومشاكل في الكلى والأمعاء والكبد تؤثر على عمل أجهزة حيوية أخرى في جسده لتسلب منه أحلام الشباب وتسرق من عمره لحظات الأمل .

خمسةُ سنوات ما بين الأحكام المتفاوتة والأحكام الإدارية أفنت الطاقة من نفسه وعقله وأضاعت فرص التعليم والعمل والإبداع لتوجد جسد بلا شغف همه الوحيد الإبقاء على روحٍ حكمت بالإعدام حية.

فكان العاشر من حزيران عام 2018 الشاهد الأخير على سلب ذلك الجسد المنهك من منزله في بلدة أبو ديس بعد اقتحامه والعبث بمحتوباته، ولم يكتف الاحتلال باعتقاله الإداري وهو اعتقال على ذمة الوهم أو المعروف باعتقال من لا تهمة له، فلم يفلح الاحتلال بتجرم شرف بهذا الاعتقال ليحاول الكَره من جديد ويبحث عن فرصة جديدة لتعذيبه وعائلته ومحبيه بتجديد اعتقاله الإداري بعد انتهاء مدة الاعتقال الأول مباشرة .

ليخلق الاحتلال بغطرسته وعنجهيته المعروفة حالة من القلق والخوف على حياة الاسير بين عائلته وبين رفاقه بالمعتقل ليحذر الأهل والرفاق من الأسرى داخل المعتقلات من تداعيات استمرار تدهور وضعه الصحي مطالبين بالإفراج الفوري عنه والضغط على الاحتلال لإيقاف قتله .

باتت اعتقالات الاحتلال للفلسطينيين ممارسة يومية ودائمة، وأداة للانتقام، وجزءا أساسياً من منهجيته للسيطرة على الشعب الفلسطيني ووأد وطنيته وثورته.

 

الدفاع عن المخصصات مسؤولية مجتمعية

في . نشر في مقالات

بقلم أ: ابراهيم نجاجرة

    ان قيام اسرائيل باتخاذ قرار بسرقة اموال الشعب الفلسطيني تحت ذريعة انها تدفع لأسر الشهداء والأسرى والجرحى ،هو قرار يضع كل مكونات الشعب الفلسطيني امام مسؤولياتهم الوطنية والأخلاقية والمدنية ، وأولى هذه المكونات فصائل العمل الوطني والإسلامي ، ومؤسسات المجتمع المدني من شركات ونقابات وجمعيات حقوق انسان وخدمات اجتماعية .

     لقد عبرت القيادة السياسية عن موقف وسقف واضح ساطع ان حقوق الاسرى والشهداء والجرحى هي قضية وطنية وأخلاقيه غير خاضعة  للمساومة والابتزاز او الانتقاص من على منبر الامم المتحدة وفي اللقاءات الدولية والاجتماعات الداخلية وان هذه السياسه ضد الشعب الفلسطيني على انها جزء من صفقة القرن ، وعليه ان الحركة الاسيرة والشهداء والجرحى شريحة تشكل حالة اجماع لكل مكونات المجتمع وأولها الفصائل وحتى نكون واقعيين، ان هذه المعركة تخص الشعب الفلسطيني وتاريخه وحاضره ومستقبله ، وبما انها تشكل حالة اجماع في الميدان ، لماذا لا تشكل حالة اجماع في البرنامج السياسي والنضالي اذا كنا  نتحدث عن قيم ومبادئ  فإننا بحاجة الى وحدة في الموقف السياسي وهذا لن يتم إلا من خلال وحدة التمثيل ووحدة البرنامج ورفض الثنائية في العمل والمواقف ، اذا كان مطلوب من السلطة ومنظمة التحرير ان تتعامل مع المواطن الفلسطيني بمفهوم الرعية والرعاية  فايضا مطلوب من هذا المواطن او الحزب او الحركة ان يطبق ابسط مفاهيم المواطنة القائمة على الحقوق والواجبات ، كيف للرئيس والقيادة ان تدافع عن الفقراء والمحتاجين والمظلومين بغض النظر عن الولاء التنظيمي وهذه التنظيمات لا تعترف بشرعية النظام السياسي وتدعوا وتعمل على ايجاد بديل ، اعتقد البديل ليس فقط في التمثيل السياسي ولكن البديل ايضا في الرعاية الاجتماعية قد يكون من وجهة نظرها وهذا ما نرفضه .

 على المجتمع الفلسطيني ان يكون فعله موازي لفعل القيادة في الدفاع عن هذه الحقوق  والأموال فهي تخص التاجر والمواطن والشركة والجمعيات والفقراء والمعلم والمفكر ، اين مؤسسات المجتمع المدني والمفكرين وهذا التاريخ من العلاقات مع المؤسسات الدولية والإنسانية وحقوق الانسان وآلاف التقارير التي توضح وتشرح حقوق الانسان من اكل وشرب وعمل وصحة وتعليم ، اليوم هي فرصه للتمايز والتعبير عن الذات والرؤى والحقوق الاجتماعية والوطنية والانسانية.

  الحركة الاسيرة داخل السجون مطلوب منها اليوم ان تعبر عن تاريخها ومسلكيتها النضالية وقوة تاثيرها في التعبير عن مواقف واضحة برفض الانقسام والثنائية وإجبار من هم في الخارج على التوحد على برنامج منظمة التحرير ومشروعها النضالي والتحرري ، امام امريكيا وإسرائيل ومن يساندهم من المجتمع الدولي.

  الاختلاف ظاهرة صحية اما الازدواجية والثنائية فهي ظاهرة تدميرية ، ان عام 2019 هو عام الحسم في مواجهة المشاريع التصفوية وفي اعادة بناء الثقافة الوطنية لإعادة الاعتبار لقضيتنا الوطنية.

 عام يجب على كل شخص او مؤسسه ان تسال نفسها اين نحن من الرؤية العامة ، كيف لنا ان نحافظ على حقوق اسرانا وجرحانا وشهدائنا الذين هم حارس هذا المشروع ووقوده .

 ان الاموال التي تصرف لهذه الفئات لا تذهب للتوفير بل تعود الى السوق من صحة وعلاج وتعليم وشراء احتياجات كما انه لا بد من التذكير بان الاسرى والأسرى المحررين وذوي الشهداء والجرحى يشكلوا اكثر من نصف الشعب الفلسطيني وبالنظر الى بنية الشعب الفلسطيني الذي يوصف انه فتي فان غالبيتهم نساء وأطفال وكبار سن وهؤلاء هم فئة توصف انها الاكثر ضعفا وتأثيرا بأي خطوات اقتصادية لذلك ان خطوة الاحتلال تهدف الى ادخالهم في دائرة الفقر المدقع والحرمان والتهميش والابتزاز ،ولمنع ذلك هي مسؤولية المجتمع بكامل مكوناته . 

ما بعد القرصنة لأموال الأسرى والشهداء والجرحى!

في . نشر في مقالات

بقلم :حسن عبد ربه

كفل القانون الدولي والشرعية الدولية حق الشعوب بتقرير مصيرها ،بما فيها حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره إستناداً للكثير من القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة ،كالحق بالنضال والكفاح والمقاومة المسلحة للخلاص من الاحتلال والعنصرية.

هذا النضال التحرري الوطني في مواجهة الاحتلال ادى لوجود قوافل الشهداء والجرحى والأسرى ،الأمر الذي أوجب وجود حاضنة وطنية وسياسية وقانونية وإجتماعية فلسطينية لتوفير الحياة الكريمة لهذه الفئة المناضلة.

كان ذلك من خلال منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني في كافة اماكن تواجده ،وانها تمثل قيادة الثورة الفلسطينية وأنشات لتلك الغاية مؤسسة رعاية أسر الشهداء والاسرى والجرحى في عام 1968.

دولة الاحتلال الإسرائيلي التي وقعت إتفاقية أوسلو وما تبعها من اتفاقيات بما فيها إتفاقية باريس الإقتصادية.بل وقبل ذلك كانت تدرك وتعلم تماماً أن منظمة التحرير الفلسطينية ولاحقاً السلطة الوطنية الفلسطينية  تقوم بتقديم المساعدات والمعونات والاموال والمخصصات المالية والرعاية الإجتماعية لعوائل الأسرى والأسرى المحررين والشهداء والجرحى ضمن المسؤوليات الإجتماعية الواقعة وفق المسؤوليات العامة على السلطة والدولة وتقديمها لمواطنيها.

التوجهات العنصرية للاحتلال الاسرائيلي زادت من تغولها في استهداف الحقوق الوطنية الفلسطينية بشكل عام عندما لجأت لإقرار القانون الأساسي الخاص بالقومية ويهودية الدولة الامر الذي جعل حق تقرير المصير حصرياً لليهود .وبالتالي نفي وجود وإلغاء أي حقوق وطنية للشعب الفلسطيني .وبهذه العقلية تم مسبقاً في تموز 2018 إقرار قانون خصم ما يتم تقديره بواقع 300مليون دولار من عائدات الضرائب الفلسطينية سنوياً والتي تعتبر مساوية للمبالغ والمخصصات المالية التي تقدمها السلطة الوطنية لعائلات الأسرى والأسرى المحررين والشهداء والجرحى و كان سبق ذلك بان أقدم وزير جيش الاحتلال "أفيغدور ليبرمان" في آذار 2017 على حظر الصندوق القومي الفلسطيني واعتباره منظمة إرهابية لقيامه بدفع مخصصات الأسرى والمحررين عبر هيئة شؤون الأسرى والمحررين  في خطوة واضحة ليس الهدف منها فقط زيادة الأعباد الإقتصادية والمالية على السلطة الوطنية وإنما خلق أزمة تنذر بتفجير أزمات إجتماعية واهلية داخلية إذا ما كان هناك أي شكل من التجاوب مع المطالب الإسرائيلية .

الهدف الأساس الكامن وراء هذا الموقف العنصري الاسرائيلي يتمثل في محاولات تجريم وإدانة النضال التحرري الوطني الفلسطيني ووصمه بالإرهاب والإجرام بما يتماهى مع موقف الكونغرس الامريكي في محاربة الحقوق الوطنية الفلسطينية والإبتزاز السياسي والمالي ،حيث أقر قانون تايلور فوريس في اذار 2018 بحجب نحو 300 مليون دولار لنفس الغاية الإسرائيلية.

الوضع الراهن يتطلب بذل قصارى جهود التحركات والاتصالات الإقليمية والدولية الدبلوماسية والبرلمانية لتوفير شبكة أمان سياسية وقانونية ومالية وحاضنة وطنية لحماية المركز والمكانة القانونية والسياسية للنضال الفلسطيني بوصفه حركة تحرر وطني ضد الاحتلال الإسرائيلي .

خاصة وأن الاحتلال يصعد من استهداف قضية الاسرى عبر تشريع مجموعة من القوانين العنصرية وإقرار توصيات وزير الامن الداخلي "جلعاد اردان"لتضييق الخناق على الأسرى ليصبحوا بين "فكي كماشة" تتمثل في تصعيب الشروط الحياتية الاعتقالية اليومية من جانب ،ومحاولات نزع الشرعية القانونية والسياسية والوطنية وتجريم نضالهم واعتباره إرهاب من جانب اخر.

إن التماهي والتناغم الامريكي والاسرائيلي في استهداف الأسرى والشهداء والجرحى يتطلب صلابة في الموقف الوحدوي الفلسطيني والنظام السياسي الرسمي بإعادة تحويل هيئة الأسرى الى وزارة تكون جزء ثابت من النظام السياسي وحاضرة في مجلس الوزراء الفلسطيني للحكومة القادمة.

إن الفلسطينيين هم أسرى حرية ،ومناضلين في سبيل الخلاص من الاحتلال العنصري لبلوغ حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.

 

قراءة في ما وراء الاعتقال الإداري

في . نشر في مقالات

بقلم: فادي قدري أبوبكر/هيئة شؤون الأسرى والمحررين

 

الاعتقال الاداري هو اعتقال دون تهمة أو محاكمة، يعتمد على ملف سري ومعلومات استخبارية لا يمكن للأسير أو محاميه الاطلاع عليها، وبحسب الأوامر العسكرية الاسرائيلية يجوز تجديد أمر الاعتقال الإداري مرات غير محدودة. حيث يتم استصدار أمر اداري لفترة أقصاها ستة شهور في كل أمر اعتقال قابلة للتجديد. وتشرعن سلطات الاحتلال الاعتقال الإداري عبر استنادها على قانون الطوارىء الانتدابي لعام 1945، والذي يتم تنفيذه بناءً على مواد البينات السرية ضد المعتقل، والتي تدّعي سلطات الاحتلال عدم جواز كشفها حفاظاً على سلامة مصادر هذه المعلومات، أو لأن كشفها قد يفضح أسلوب الحصول على هذه المواد.

 إن هذه السياسة القائمة على حالة الطوارىء والاستثناء تنتهك حقوقاً متعددة مكفولة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. حيث تنص المادة (9) فيه على: "أنه لا يجوز القبض على أحد أو اعتقاله تعسفاً، وأنه لا يجوز حرمان أحد من حريته إلا لأسباب ينص عليها القانون وطبقاً للإجراء المقرر فيه". كما تنص المادة (14) من العهد على: "الحق في المحاكمة العلنية، باعتبار ذلك عنصراً أساسياً من عناصر المحاكمة العادلة، ويجب أن تكون القاعدة هي إجراء المحاكمة شفوياً وعلنياً، ويجب أن تُعلن المحكمة أياً كان نوعها المعلومات الخاصة بوقت إجراء المحاكمة ومكانها..".

نصت المادة (78) من اتفاقية جنيف الرابعة على أنه: "إذا رأت دولة الاحتلال لأسباب أمنية قهرية أن تتخذ تدابير أمنية إزاء أشخاص محميين، فلها على الأكثر أن تفرض عليهم إقامة جبرية أو تعتقلهم." وإذا كانت سلطات الاحتلال تحاول الاستناد على هذه القاعدة، فيمكن الاستنادة عليها فقط في حالات استثنائية وخاصة جداً، إلا أن واقع إصدار أكثر من 53 ألف قرار اعتقال إداري منذ العام 1967، ومكوث جزء من المعتقلين الإداريين سنين عدة وليس بضعة أشهر فحسب، يؤكد أنهم لا يشكلون الخطر الحقيقي الذي تدّعيه سلطات الاحتلال، وأن الاعتقال الإداري يندرج ضمن سياسة إسرائيلية حيوية تهدف إلى السيطرة على حياة الفلسطيني وترويضه، ووضعه في إطار الاستثناء على الدوام.

يُنظر لسياسة الاعتقال الإداري كانتهاك قانوني وإنساني بحق الأسير وعائلته، ولتقريب الصورة أكثر حول أثر الاعتقال الإداري على الأسير وذويه، يمكن الاستعانة برواية الكاتب الايرلندي صموئيل بيكيت "في انتظار جودو"، والتي تدور حول رجلين يدعيان "فلاديمير" و"استراغون" ينتظران شخصاً يُدعى "جودو". يتناول بيكيت في روايته قضية الانتظار والتفاعلات النفسية التي ترافقها، فعلى الرغم من الانتظار الطويل وعدم مجيء "جودو" في النهاية، فإن الأمل يبقى قائماً وهذا جوهر القضية.

يمكن الجزم بأن هذه الحالة تنطبق على الأسير وعائلته، خصوصاً إذا كان يخضع للاعتقال الاداري، فرواية بيكيت تحمل في طياتها الكثير من الترقب والأمل والانفعال الممزوج بالخوف الدائم والشعور بانعدام الأمان.

يُركز الكاتب الفرنسي ألبير كامو في كتابه "أسطورة سيزيف" على عبثية الجهد البشري، بمعنى الاجتهاد والعمل بدون نتيجة. سيزيف حكمت عليه الآلهة بأن يُدحرج بلا انقطاع إلى قمة الجبل صخرة تعود لتهوي إلى الأسفل بسبب ثقلها. ففي كل مرة يقوم سيزيف برفع الصخرة إلى رأس التلة تقع الصخرة، فيعاود الكرة وهكذا دواليك. يمكن القول أن هذا أفضل وصف أو تشخيص لتأثير الاعتقال الاداري.

لا شك أن تأثير الحكم على الأسرى أصحاب الأحكام العالية قاتل عليهم وعلى ذويهم، إلا أن  المعتقل الإداري يتمتع بخصوصية، فعندما يقترب الأسير من إنهاء فترة ال 6 شهور على سبيل المثال، تعيش العائلة حالة من التوتر والترقب والانفعال والاستعداد، حتى تصدر سلطات الاحتلال بآخر لحظة  حكمها بالتمديد، ما من شأنه أن يكسر الأسير وعائلته نفسياً.

لا شك أن الاعتقال الإداري من أسوأ الأساليب القمعية التي تمارسها سلطات الاحتلال العنصرية، لأنها ببساطة أساليب تعسفية وغوغائية ومنفلتة بطبيعتها، مرجعيتها غرائز الانتقام ودوافعها الحقد الدفين ومحركها الكراهية العمياء وليس القانون، فهي حتى وإن كان في ظاهر الأمر تستهدف أشخاصاً لأسباب تكتيكية، إلا أنها تستهدف استراتيجياً من خلال ذلك المجموع الوطني الفلسطيني كله الذي تعتبره هذه السياسة عدواً في أسوا الحالات أو مصدرَ خطرٍ في أحسنها.

الاستثمار في الأسرى الأحرار

في . نشر في مقالات

بقلم: فادي قدري أبوبكر/هيئة شؤون الاسرى والمحررين

سعت سلطات السجون الإسرائيلية منذ نشأتها، إلى تركيع وترويض الأسير الفلسطيني بكافة الوسائل المتاحة، إلا أن الأسرى تمكنوا عبر عقود من الصمود والإرادة، ومشوار طويل معبّد بالدم والمعاناة من بناء مؤسسة فاعلة شكلت نداً فعلياً لسلطات السجون وتركت أثراً واضحاً على إدارة الصراع معه، وكانت تهدف في عملها إلى حماية المعتقلين الفلسطينيين من بطش إدارة السجون ومحاولاتها لحرف الثوار عن ثورتهم. كما كان هناك برامج نضالية تهدف إلى ضبط تصرفات الأسرى ومراقبة علاقاتهم مع السجانين، بهدف تعزيز الروح النضالية لديهم وحمايتهم من السقوط والانحراف. وكان الأسير الشهيد عمر القاسم يقول: "حيث يوجد إنسان واحد فأنت تحمل مهمة العمل معه لينضم إلى جيش الوطن".

تشتد في الآونة الأخيرة الهجمة الإسرائيلية على الأسرى والأسيرات داخل المعتقلات الإسرائيلية، ولا تكتفي سلطات الاحتلال بذلك، بل تُصعّد من هجمتها على ذوي الأسرى سواء عبر قطع مخصصات الأسرى التي هي بطبيعة الحال يستفيد منها ذوي الأسير بالدرجة الأولى، أو عبر فرض غرامات عالية على الأسرى وتحميل عائلات الأسرى تكاليف علاج أبناءهم المصابين في سبيل إرهاق العائلة اقتصادياً، أو طرد عائلاتهم من أماكن سكناهم، وهدم البيوت ومنع الزيارات وغيرها من الإجراءات التعسفية التي تدل بوضوح على عجز إدارة السجون في تحقيق الأهداف المرجوة داخل السجون، فتحاول سلطات الاحتلال الإسرائيلية نقل المعركة إلى الخارج باستهداف عائلات الأسرى.

على الرغم من ذلك، يمكن القول أن هناك علاقة طردية ما بين ابتكار سياسات اسرائيلية جديدة وابتكار عائلات الأسرى لوسائل مواجهة جديدة في المقابل. بمعنى أن السحر انقلب على الساحر، وعوضاً عن قمع كافة أشكال المقاومة عبر عملية اعتقال المناضلين الفلسطينيين وممارسة كل ما يمكن توقعه من سياسات وإجراءات قمعية بحقهم وحق ذويهم، غير أن سياسة الاعتقال هذه أثرت على كل بيت فلسطيني، وأدت إلى تأثير مغاير يظهر جلياً في تطوير عائلات الأسرى لأدوات وآليات مواجهة تكاد تكون سياسات حيوية فلسطينية  مضادة تمثلت في : تنمية الوعي الأمني، وحملات الأسرى، وتشكيل حلقة وصل ما بين الأسرى والعالم الخارجي، وإنشاء مواقع التواصل الاجتماعي، وتحرير النطف من داخل السجون، وتشكيل حاضنة إدماجية للأسرى المحررين إضافة إلى الفعاليات والأنشطة التضامنية المختلفة والتي أعطت بدورها قوة معنوية للمعتقل الفلسطيني ليبقى صلباً في مواجهة إدارة السجون. وما تحقيق أرقام قياسية في إضرابات الطعام إلا دليلاً واضحاً على أنه كلما اشتد عنف وقمع السلطات الاسرائيلية، كلما زاد الفلسطيني صموداً وثباتاً سواء كان أسيراً داخل السجون أو خارجها.

يقول عالم الاجتماع الفرنسي جورج غروفيتش أن :" الزمن يمر في بعض التجمعات أسرع منه في بعضها الآخر، وأن بعض التجمعات تملك تقريباً مبطئات للزمن، في حين تملك أخرى مسرعات له ". و يُقسم غروفيتش التجمعات إلى تجمعات ذات وتيرة بطيئة ( المشتركين بالمجلة الدورية نفسها والمتأثرين بها، أعضاء الحزب الذي لا يحضرون الاجتماعات ، الخ ..)، تجمعات ذات وتيرة متوسطة ( تجمعات تلتقي بشكل دوري مثل النقابات، الأحزاب الشركات المساهمة وغيرها )، وأخرى ذات وتيرة متسارعة تجتمع بصورة دائمة ومستمرة مثل العائلات، السجون، الوحدات العسكرية وغيرها.

إذا ما أردنا تطبيق هذه النظرية على عائلات الأسرى الفلسطينيين، فهم قبل أن يكونوا كذلك كانوا عائلات فلسطينية تقع تحت مظلة التجمعات ذات الوتيرة البطيئة، لأن ما يجمعهم هو هويتهم وقوميتهم فحسب. أما الاحتلال الإسرائيلي باعتقال أبنائهم حولهم إلى مجتمعات ذات وتيرة متوسطة، فهم أصبحوا يلتقون بشكل دوري سواء في الزيارات أو في الفعاليات الوطنية الأخرى. بمعنى آخر إن السياسات الاحتلالية الإسرائيلية جعلت الزمن يمر في بعض التجمعات الفلسطينية بشكل أسرع، فذوي الأسرى دخلوا ضمن التجمعات ذات الوتيرة المتوسطة، الأمر الذي جعلهم أقوى وأصلب في مواجهة السياسات الحيوية الإسرائيلية.

من جانب آخر ساهم الأسرى الفلسطينيين في تثقيف وتوعية عائلاتهم، ما أعطاهم أفضلية في مواجهة السياسات الحيوية الإسرائيلية. حيث أن ممارسات سلطات الاحتلال في السجون إزاء عائلات الأسرى الفلسطينيين فيما يخص الزيارات أو المراسلات على وجه الخصوص، احتاجت من الأسرى إلى توعية الأهل وإفهامهم جوانب وأبعاد أساليب الإدارة الأسرائيلية، وهي عملية شاقة تحتاج مجهوداً كبيراً، لكنها كانت مهمة لأن مواجهة أهداف إدارة السجون ومهما كانت صغيرة على درجة عالية من الأهمية، فتراكمها يخلق مشاكل أكبر من حجمها وهذا ما فعله الأسرى المناضلين.

الأسرى ليسوا بحاجة إلى الاندماج في المجتمع، وإنما العكس هو الصحيح. حيث أن الأسير هو مثقف بدوره، والثقافة لا تقتصر على ثقافة العلم والأدب، وإنما تتعدى ذلك إلى التجارب الإنسانية والحياتية وفي العبر والقيم التي نستنبطها من حياتنا.  فالأسير الذي هو في احتكاك يومي ومباشر مع السجان المحتل يجعله مُطلع على طريقة تفكير عدوه، الأمر الذي يُكسبه "ثقافة أمنية" من المهم أن يستعين بها المجتمع في ظل المواجهة المستمرة مع الاحتلال.

 تعتبر الثقافة الأمنية تربية وقائية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وعليه فإن الثقافة الأمنية تستحق أن تأخذ حيزاً كبيراً في الثقافة الفلسطينية، فهي ضرورة ملحة في مواجهة السياسات الحيوية الإسرائيلية. يمكن الاستعانة بالأسرى المحررين في هذه المهمة ، وبنفس الوقت تفعيلهم في المجتمع، حيث أن الاستثمار في الأسرى الأحرار ضرورة حيوية، ومن شأنه بلا شك أن يكون في صالح المجتمع ونهضته وإبقاء قضية الأسرى مركزية في الوجدان الفلسطيني. فالأسرى الذين ساهموا في خلق تجربة نضالية فريدة من نوعها على المستوى العالمي ونجحوا في تحويل السجون إلى مدارس وجامعات، بالتأكيد في جعبتهم الكثير ليقدموه خارج أسوار المعتقلات.

 

وحدها الضريرة من رأت موت بارودها ... وعفو الرب

في . نشر في مقالات

 

بقلم: مجدي العدرة

بعفو رباني شق خاصرة السموات أخيرا وصعد بين طبقاتها يتلفت هنا وهناك، يبحث عمن فقدها على الأرض لسنوات طوال،. مكبلا معذبا منهكا ميتا حرا طليقا، لم يعد اسم تلك الحالة التي عرج بها مهماً له ولها... كل ما يريده الآن مغفرة الرب ولقاء حبيته الكفيفه "ريا".

28 عاما عاشها الفارس بارود كالأموات، مقيدا بالأصفاد والحديد والحراس والبعد عنها، عن تلك الوالدة التي أشقاها غيابه وأعماها كثرة البكاء عليه، كافحت لأعوام واعوام صحتها المتهالكه، ونضالت بشراسة مثقلة كل أوجاع الدهر والقهر، تصبر نفسها وترقب بالمرارة عودة من لم تنجب سواه.

شاخ وجهها وشاب شعرها قبل كل أوان، فقد دق الهرم بابها حين اعتقل فارسها الوحيد عام 91، وحين حكم عليه بالمؤبد مرتين و22 عاما، وحين تجاوزته عشرات الصفقات، وحين حُرمت من زيارته 18 عاما متتالية، ليقضي في السجن أكثر من ربع قرن، بين وجع المرض وقتل السجان وغصة البعد عنها حتى جاورت الرفيق الاعلى منتصف العام 2017.

احيا العام 2013 قلبها وقتله في ذات التوقيت، حينما ادرج اسم بارودها ضمن الدفعة الأخيرة من الأسرى القدامى الذين تعهد الاحتلال بإطلاق سراحهم وفق تفاهمات سياسية مع السلطة الفلسطينية، لكن الغدر الصهيوني باغت أملها الكبير وقلبها المنكمش وعلق الإفراج عن تلك الدفعة في لحظاتها الأخيرة.

الكل في غزة يعرف لحظات الحاجة "ريا" في تلك السنة، حين طفحت وكالات الأنباء ومحطات التلفزة في ذلك العام بالحديث عن اقتراب الصفقة وموعد الافراج، سارعت لإعداد وترتيب غرفته الخاصة واشترت له سريرا جديدا وبعض الملابس الجميلة كي يذهب بها الى صلاة الجمعة وقبر والده، لكن الحلم القريب ذُبح من جديد وللمرة الألف، فلا هي رأت فارسها ولا نام فارسها في غرفته.

اليوم يرتب القدر لقائه الخاص لفارس ووالدته، موشحا بالشهادة، يتعانقان ويبكيان ويفرحان ويعطيان البصر معناً أخر، ونكتب نحن في الأسفل عنهما نصا جديدا في كتابنا الفلسطيني الذي فاض بالشقاء والعذاب والوجع وقلة الحيلة.

لروح فارس بارود الف سلام