الحركة الأسيرة

الشتاء يفاقم معاناة أسرى فلسطين

في . نشر في مقالات

الشتاء يفاقم معاناة أسرى فلسطين
*بقلم/عبد الناصر عوني فروانة
رئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة الاسرى
وعضو لجنة ادارة الهيئة في قطاع غزة
 
لا أظن أن أحداً من المحررين قد عاش مثل هذه الأجواء الشتوية في سجون الاحتلال ويمكنه أن ينسى تلك الأيام والليالي الباردة. فيا أيها الشتاء: فلتغادر رفقاً بهم ويا برد كانون وشباط وآذار ارحم ضعفهم وقلة حيلتهم. فما عاد بمقدور أجساد هؤلاء تحمل مزيد من الألم والوجع.
شتاء عدو لهم، وأمطار غزيرة تُغرق بعضهم ورياح عاصفة تؤرقهم، وبرد قارس يُؤذي جميعهم وينخر عظامهم، وأمراض تؤلم الشاب والكهل وتوجع الشيخ والهرم، وعواصف شديدة ومنخفضات جوية متفرقة تفاقم مأساتهم، وتزيد أوضاعهم الصحية بؤساً وتعقيداً. في ظل تصاعد الاجراءات القمعية والاستفزازية منذ ان تولى "بن غفير" وزارة الامن.
نعم، هذا حالهم، وتلك أوضاعهم. ما داموا خاضعين للحجز وحيثما كان مكان الاحتجاز. في شمال البلاد وأواسطها، أو في جنوبها وسط صحراء النقب.
ففي الشتاء؛ ظروف احتجاز هي الأسوأ، ونقص في الأغطية والملابس الشتوية، وفقدان وسائل التدفئة، في ظل تردي النظام الغذائي، وأمراض كثيرة تظهر، دون أن تجد ما يمنعها من الاستفحال في الجسد أو الانتشار بين المجموع، في ظل تدني الخدمات الطبية واستمرار الاهمال الطبي. فيزداد ألمهم ألما، وتزداد معاناتهم معاناة، خاصة في مراكز التوقيف وأقسام التحقيق. فتتحول الأمراض البسيطة والعرضية إلى مزمنة ومستعصية يصعب علاجها لاحقا. فيما تتفاقم المعاناة لدى الأسرى المرضى وكبار السن أضعاف المرات.
لم تكتفِ إدارة السجون بذلك، بل تتعمد أحياناً للجوء الى اتخاذ إجراءات وخطوات استفزازية، واقتحامات واعتداءات متعمدة، وتفتيشات متكررة بذريعة (الأمن) للتضييق على الأسرى والتنغيص عليهم، وإلحاق الأذى الجسدي والنفسي والمعنوي المتعمد بهم. بعكس ما يتوجب عليها فعله وفقاً لما تنص عليه كافة المواثيق والأعراف الدولية ذات العلاقة بالأسرى والمعتقلين والتي تُلزم الدولة الحاجزة بتوفير كل ما يلزم لعلاجهم وحمايتهم من خطر الموت أو الإصابة بالأمراض. وخاصة المادة (13) من اتفاقية جنيف الثالثة، و(91-85) من اتفاقية جنيف الرابعة.
لم يقتصر الأمر على ذلك، وإنما تتفنن إدارة السجون في تقديم الذرائع لمنع او وضع العراقيل امام إدخال ما ينقصهم عن طريق الأهل أو المؤسسات المختصة، فيما تلجأ أحياناً إلى توفير جزء من الملابس والأغطية الشتوية في مقصف السجن، بجودة أقل وأسعار باهظة، فيضطر الأسرى إلى شرائها.الامر الذي يشكل عبئا اقتصاديا لعوائلهم واستنزافا لاموالهم.
وتتعرض البلاد هذه الأيام إلى منخفض جوي شديد أدى إلى هطول أمطار غزيرة، وثلوج في مناطق عديدة، وانخفاض كبير في دراجات الحرارة لتصل إلى أدنى من معدلاتها ببضع درجات لتصبح الأجواء باردة جداً، مما يُفاقم معاناة الكثيرين. فهناك من هم غير قادرين على اقتناء ما يحميهم من برد الشتاء وصقيع المنخفض الجوي، وليس باستطاعتهم توفير العلاج اللازم لما يُصيبهم من الأمراض وما أكثرها هذه الأيام، بسبب فقرهم وسوء ظروفهم وضعف إمكانياتهم، أو لعدم مقدرتهم على توفيرها بفعل من يُسجنهم ويتعمد إيذائهم، كما هو حال أسرانا ومعتقلينا في سجون الاحتلال الإسرائيلي.
شتاء بارد وامطار غزيرة ومنخفض جوي شديد وظروف قاسية ومعاملة لا إنسانية واجراءات قمعية مع استمرار احتجاز قرابة (4700) أسير/ة في سجون الاحتلال، بينهم نساء واطفال ومرضى وكبار السن، مما يفاقم معاناتهم ويؤذي اوضاعهم الصحية ويرفع اعداد المرضى جراء تأثيرات الشتاء والمنخفض الجوي، لذا فإن المسؤولية تزداد بزيادة المخاطر وتتطلب جهدا كبيرا وضغطا مؤثرا من أجل ضمان توفير الحد الأدنى من الحماية الإنسانية والقانونية للأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال الاسرائيلي.
عن المؤلف:
عبد الناصر فروانة: أسير محرر ومختص بشؤون الأسرى والمحررين، وعضو المجلس الوطني الفلسطيني، ورئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحررين، وعضو لجنة إدارة هيئة الأسرى في قطاع غزة، وله موقع شخصي مختص بشؤون الأسرى: فلسطين خلف القضبان.
 
 
 
 
 
 

أبا معالي.. رجل من الزمن الجميل بقلم/عبد الناصر عوني فروانة

في . نشر في مقالات

كلما جالستهم؛ تزداد فخراً بهم، وإن تكلموا أمامك، أنصت لهم ولا تقاطعهم، فربما مقاطعتك لحديثهم يُفقدك شيئاً مخزوناً في ذاكرتهم قد لا تسمعه من أحد بعدهم. فهم الشاهد على العصر، بل هم أبطال ذاك العصر، وهم صُناع ذاك التاريخ الثوري الجميل الذي لطالما تغنينا به ومازلنا نفخر به. إنهم أبطال سنوات النار ومحرري صفقة تبادل الأسرى عام1985.
ولعلني كنت محظوظاً بأنني التقيت في صغري الكثير منهم على شبك الزيارة حين كنت أذهب إلى السجون لزيارة والدي -رحمة الله عليه- الذي رافقهم النضال وشاركهم قسوة السجان وتحرر معهم ضمن صفقة التبادل الشهيرة. ومع مرور السنوات الطويلة نشأت بيني وبينهم علاقات صداقة، حتى تحرروا وأنا كبرت وتحولت بدوري إلى مناضل وأسير لعدة مرات، فخضنا النضال معاً وتقاسمنا سوياً ألم السجن، فاستفدنا من تجاربهم وخبراتهم النضالية. هكذا هي حياة الفلسطيني في ظل الاحتلال الإسرائيلي.
إن ما دفعني لهذه المقدمة هو الإحساس دوماً بأن هؤلاء الأبطال لم ينالوا حقهم، وأحياناً الشعور بالقصور تجاههم، فتجدني أحرص على متابعة أخبارهم والتواصل مع غالبيتهم، أو زيارة والتقاء بعضهم كلما سنحت الفرصة. فهم مفخرة للكل الفلسطيني. وهذا واحد من هؤلاء الأبطال، الذين التقيت بهم كثيراً واستمعت إليه مطولاً، فيما زرته مؤخراً، في بيته بدير البلح وسط قطاع غزة، للاطمئنان على صحته التي تدهورت أثر وعكة صحية ألمت به، فأعاقت حركته بشكل كبير وأفقدته القدرة على الكلام، ولم يعد بمقدور "أبا معالي" أن يروي أمامنا حكايات الزمن الثوري الجميل، أو يسرد لنا قصص السجون وتفاصيلها مع رفاق "البرش". لكن علامات السعادة وتعبيرات الإعجاب كانت تبدو واضحة على وجهه كلما استحضرنا سيرة المقاومة وذكرنا أحد رفاقه القدامى. فيما المؤلم أنه لم يعد باستطاعتنا انتزاع المزيد من المعلومات وتوثق ما كانت تختزنه ذاكرته من أحداث وذكريات سبقت الاعتقال وامتدت لأكثر من خمسة عشر عاماً قضاها خلف القضبان وبين جدران سجن غزة وعسقلان والرملة وبئر السبع.
ولد المناضل محمد معالي أبو سمرة، وكنيته "أبو معالي" في الواحد والثلاثين من آيار/مايو عام 1948، بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، وتربى وترعرع في شوارعها وبين أزقتها وما زال يقيم فيها مع أسرته وأهله ووسط عائلته الكبيرة المشهود لها بالعطاء والنضال.
والتحق "أبا معالي" في صفوف الثورة الفلسطينية منتصف ستينيات القرن الماضي وانخرط في أنشطتها الكفاحية وتميز بالجرأة والشجاعة والإقدام في تنفيذ مهامه النضالية ومقاومته للمُحتل الإسرائيلي.
وبعد نكسة عام 67، انضم إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وانخرط أكثر في العمل الفدائي المُقاوم وشارك بتنفيذ عمليات نوعية أوجعت المحتل، بشهادة رفاقه، وعلى إثر اكتشاف أمره من قوات الاحتلال تمت مطاردته ومن ثم محاصرته والاشتباك معه واعتقاله مطلع عام 1970، ليتعرض لصنوف مختلفة من التعذيب الجسدي والنفسي، ولتصدر بحقه إحدى محاكم الاحتلال العسكرية حكماً بالسجن المؤبد ثلاث مرات. بالإضافة إلى28 عاماً. لكن شاءت الأقدار وقالت المقاومة كلمتها، ليتحرر ضمن صفقة تبادل الأسرى في العشرين من آيار/مايو عام1985 بعد قضاء أكثر من خمسة عشر عاماً على التوالي خلف الشمس، ليخرج متسلحاً بمعنويات عالية وإرادة قوية ويعود مجدداً لعمله النضالي وخدمة قضايا شعبه.
وقد تزوج بعد تحرره من الأسر من السيدة الفاضلة "سلوى أبو سمرة"، وأنجب منها ستة أبناء؛ أربعة ذكور وهم: معالي وماهر ونضال وعبد الناصر. بالإضافة إلى أنثتين هن: حيفا وتغريد.
ومع قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية عمل في جهاز المخابرات العامة، ولم يبخل عن العطاء مع اندلاع انتفاضة الأقصى عام2000، وكان قريب وأحيانا شريك للشباب المنتفض، حتى أطلقوا عليه لقب "شيخ الشباب".
أبا معالي.. مناضل يعرفه الجميع ويحبه الكل الفلسطيني على اختلاف انتماءاتهم، وهو من شارك في الإضراب عن الطعام في ساحة الجندي المجهول الذي نُفذ من قبل عشرات الأسرى المحررين عام1998 دعماً وإسناداً للأسرى.
وكان "أبا معالي" من مؤسسي أول لجنة شعبية للاجئين بمخيم دير البلح، وأحد أشد المدافعين عن حقوق اللاجئين وقائدًا مجتمعيًا تميز بعلاقاته الواسعة وفي المبادرة للإصلاح المجتمعي، منطلقاً من قناعته بوحدة شعبنا، فكان على الدوام وحدوياً وحين تم تشكيل لجنة القوى الوطنية والإسلامية في دير البلح كان منسقاً لها، ثم أصبح منسقا للجنة القوى الوطنية والإسلامية بالمحافظة الوسطى.
جسد "أبا معالي" خلال سنوات الاعتقال الطويلة وفي ميادين البطولة والمقاومة والاشتباك، محطات تُحتذى، وكان إنساناً متواضعاً ووحدوياً، ومقاوماً صلباً وعنيداً، ومناضلاً معطاءً ودائم الالتحام بالجماهير.
في الختام، لا يسعني إلا أن أدعو الله عز وجل أن يُشفي أخونا ورفيقنا وحبيبنا أبا معالي. وهي فرصة لأن أدعو كل المعنيين بضرورة العمل من اجل توثيق سير هؤلاء المناضلين الذين حفروا أسمائهم عميقاً في سجل المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية الأسيرة، فشكلوا بتاريخهم مفخرة للكل الفلسطيني ولكافة أحرار العالم.
دمتم بألف خير أبا معالي العظيم
*عن المؤلف:
عبد الناصر فروانة: أسير محرر ومختص بشؤون الأسرى والمحررين، وعضو المجلس الوطني الفلسطيني، ورئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحررين، وعضو لجنة إدارة هيئة الأسرى في قطاع غزة، وله موقع شخصي مختص بشؤون الأسرى "فلسطين خلف القضبان".
 
 
 
 
 
 
 

الاعتقال الإداري: سياسة ومنهج ووسيلة للعقاب الجماعي *بقلم/عبد الناصر عوني فروانة

في . نشر في مقالات

 
يُعرَّف الاعتقال الإداري بأنه: عملية قيام السلطة التنفيذية باعتقال شخصٍ ما، وحرمانه من حريته، دون توجيه أي تهمة محددة ضده، بصورة رسمية، ودون تقديمه إلى المحاكمة وذلك عن طريق استخدام إجراءات إدارية.
ويُعتبر الاعتقال الإداري موضوعاً بحثياً قائماً بحد ذاته، سواء لجهة الجدل القانوني حوله، أو لجهة ارتباطه بشكل أو بآخر بنهج الاعتقال السياسي، وبحكم كونه إجراء يتراوح اللجوء إليه ما بين الضرورة الشرعية (قانوناً) أحياناً، والتعسف أو العقاب أحياناً أخرى.
وتوضح اتفاقية جنيف الرابعة، بما لا يدع مجالاً للشك، أن الاعتقال الإداري يُعد تدبيرا شديد القسوة، للسيطرة على الأمور، والوسيلة الأكثر تطرفاً، التي يسمح القانون الدولي للقوة المحتلة بإتباعها، تجاه سكان المناطق المحتلة. (اتفاقية جنيف الرابعة، المادة 42-78).
فالإجازة الاستثنائية للاعتقال الإداري، تسمح للسلطات القائمة باحتجاز الأشخاص المحميين، وحرمانهم من حريتهم، رغم عدم توجيه دعاوي ضدهم، على اعتبار أنهم يعدون تهديداً حقيقياً لأمنها، في الوقت الحاضر، أو في المستقبل. وعلى عكس الإجراء الجنائيّ، فإنّ الاعتقال الإداري لا يهدف إلى معاقبة شخص على مخالفة قد اقترفها، بل يهدف إلى منع وقوع المخالفة مستقبلاً.
وعلى هذا، يعتبر الاعتقال الإداري إجراءً شاذاً واستثنائياً، لأن المبدأ العام للقانون يقول بأن حرية الأشخاص هي القاعدة. وذلك على افتراض أن نظام العدالة الجنائية، قادر على معالجة مسألة الأشخاص المشتبه في أنهم يمثلون خطراً على أمن الدولة.
وفي الوقت الذي أجاز فيه القانون الدولي اللجوء إلى الإجراء الأشد قسوة -الاحتجاز أو الاعتقال الإداري - كإجراء شاذ واستثنائي، فإنه وضع قيوداً وشروطاً صارمة على تنفيذه، وحدد مجموعة من المبادئ والإجراءات القضائية، والضمانات الإجرائية التي تتعلق بوسائل الاعتقال الإداري وظروف الاحتجاز وحقوق المعتقل الإداري، على أن تكون فترة الاحتجاز لأقصر فترة ممكنة. كما حظر الاحتجاز الجماعي، أو تطبيقه بشكل جماعي، لأن ذلك يصل إلى مستوى العقاب الجماعي والذي يُعتبر جريمة.
لكن سلطات الاحتلال الإسرائيلي أساءت استخدام إجراء الاعتقال الإداري، فاستغلت الإجازة القانونية المسموح بها في الظروف الاستثنائية، وتوسعت في تطبيقها، دون التزام بالمبادئ والإجراءات القضائية المنصوص عليها، ولا بالضمانات الإجرائية التي حددها القانون الدولي، تلك الضمانات التي أكدت على أولوية المبادئ والحقوق الإنسانية في كل الأحوال.
وإذا كان قانون الانتداب قد نظم الاعتقال الإداري، وحدد في نطاق ضيق حالاته، فإن دولة الاحتلال الإسرائيلي توسعت في استغلاله بشكل لافت، حين لجأت إلى إصدار عدة أوامر عسكرية، تشرعه أكثر من كونها تنظمه، وتساعد على توسيع تطبيقه بما يخدم ظروف الاحتلال ويكرسه، حتى وصل عدد الأوامر بهذا الخصوص إلى (12) أمراً عسكرياً.
لقد توسعت دولة الاحتلال في استغلال أمر الاعتقال الإداري، الموروث من عهد الانتداب البريطاني، حتى أصبح على يديها، إجراءً عقابيٍاً جماعياً، ضد الفلسطينيين. بل إنها ذهبت إلى حد استعماله بديلا مريحا عن الإجراءات الجنائية العادية لتبرير استمرار احتجاز المواطنين دون تهمة أو محاكمة استناداً لما يُسمى بـ "الملف السري" الذي يشكل أساس الاعتقال، حيث السرية المفروضة على الأدلة والمواد، والتي لا يسمح للمتهم أو لمحاميه بالاطلاع على محتواها- مما يجعل من المستحيل رد التهم المنسوبة أو مناقشتها-. لذا فان الواقع يقول: أن الممارسة العملية لإجراءات الاعتقال الإداري، لدى دولة الاحتلال، قد جعل منه حجزا غير قانوني ولا إنساني، ومخالف لروح ونصوص الاتفاقيات الدولية، بل وروح قانون الانتداب نفسه.
ومن الناحية الفعلية، ومنذ العام 1967، جعلت دولة الاحتلال من الاعتقال الإداري قاعدة، لا استثناء، وسياسة ثابتة في تعاملها مع الفلسطينيين، ووسيلة للانتقام والضغط والعقاب الجماعي بما يخالف قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
لقد اتسم السلوك الإسرائيلي بالتصعيد في استخدام هذا الإجراء من الاعتقال بحق الفلسطينيين حتى بلغ عدد قرارات الاعتقال الإداري منذ العام 1967، ما يزيد على (54) ألف قرار، سواء منها ما كان قرارا جديدا أو ما تم تجديده، وأن من بين تلك القرارات نحو (834) قرار منذ مطلع العام الحالي2020، وأن ما نسبته (37.4%) كانت أوامر اعتقال جديدة، فيما شكّلت أوامر تجديد الاعتقال الإداري نحو (62.6%) من اجمالي الأوامر الإدارية الصادرة منذ مطلع العام الحالي. وما زالت سلطات الاحتلال الإسرائيلي تحتجز في سجونها قرابة (350) معتقلا إداريا، بينهم نواب منتخبين وأكاديميين وكُتّاب واعلاميين ومحامين ومثقفين وقيادات مجتمعية.
إن كثير من الفلسطينيين، اعتقلوا إدارياً لأكثر من مرة، وأن العديد منهم جُدد لهم الاعتقال الإداري مرات عديدة دون رادع، وقد أمضى بعض المعتقلين خمس سنوات، بل عشر سنوات وما يزيد في سجون الاحتلال رهن ما يُسمى بـ "الاعتقال الإداري"، حتى أصبح الكثيرون من المعتقلين الإداريين سجناء إلى أمد غير معلوم، جراء تجديد أوامر الاعتقال.
لقد مرّرت بالتجربة، واعتقلت مرتين إدارياً، وأمضيت سنة كاملة في السجن، بلا تهمة أو محاكمة، ومررت على ما تُسمى محاكم الاستئناف الصورية، دون معرفة أسباب الاعتقال، وعايشت المعتقلين الإداريين وكنت شاهداً على أساليب الاعتقال وظروف الاحتجاز وقسوة الظروف المناخية، صيفا وشتاء، وسوء المعاملة وتدني الخدمات المقدمة وتردي الطعام كما ونوعا، وانعدام الزيارات العائلية أو الاتصالات الهاتفية، فيما كان يُسمح لنا أحيانا بالمراسلة عبر الصليب الأحمر. كان هذا في معتقل النقب الصحراوي خلال انتفاضة الحجارة. ولم يتغير الوضع كثيراً. فلقد تابعت هذا الملف منذ عقود، من خلال عملي ونشاطي واهتماماتي، وقرأت تقارير عديدة واطلعت على شهادات مؤلمة، ويمكنني في هذا المقام التأكيد على أن "الاعتقال الإداري" بات سياسة ومنهج ووسيلة للانتقام والعقاب الجماعي وقد طال كل الفئات العمرية والاجتماعية: ذكوراً وإناثاً، رجالاً وشيوخاً وأطفالاً، مرضى وأصحاء. كما ولم يقتصر استخدام "الاعتقال الإداري" على المعتقلين الجدد، بل استخدم كذلك ضد كل من لم تُثبت إدانته في غرف التحقيق- رغم صنوف التعذيب المختلفة - عقابا له على صموده. فلطالما تمت إحالة شخص ما إلى الاعتقال الإداري، من داخل زنازين التعذيب. ولطالما عوقب بالاعتقال الإداري معتقلون فور انتهاء مدة محكومياتهم، أو بعد خروجهم من السجن مباشرة أو بوقت قصير للغاية. وفي أحيان أخرى استخدمت سيف التهديد بإحالة المعتقل للاعتقال الإداري بهدف الضغط والابتزاز أو لغرض المساومة.
لقد دفع هذا الواقع المرير المعتقلون الإداريون إلى اللجوء لخطوات احتجاجية عديدة للتعبير عن رفضهم لهذا الشكل من الاعتقال التعسفي، ورفضهم البقاء في السجون لفترات طويلة، ومن بين تلك الخطوات كان "الاضراب عن الطعام" والذي لجأ إليه المعتقلون، بشكل جماعي وفردي، كشكل من أشكال النضال في مواجهة سياسة الاعتقال الإداري، وحتى كتابة هذه السطور، ما زال من بين المعتقلين الفلسطينيين يخوضون اضرابات فردية عن الطعام رفضا لاعتقالهم الإداري، بلا تهمة أو محاكمة. الأمر الذي يستدعي دعمهم واسنادهم من جانب، ومن جانب آخر يتطلب حراكا مستمراً ودعماً متواصلاً على المستوى الرسمي والفصائلي، القانوني والحقوقي، والإعلامي والشعبي، لإنهاء سياسة "الاعتقال الإداري".
عن المؤلف
*عبد الناصر فروانة، اسير محرر، ورئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحررين وعضو المجلس الوطني الفلسطيني.

((( أولاد يونس )))

في . نشر في مقالات

((( أولاد يونس )))
بعد انتهاء التمييز العنصري في جنوب أفريقيا .. قال المناضل السياسي وأول رئيس لجنوب أفريقيا نيلسون منديلا : ( إذا خرجتُ من السجن في نفس الظروف التي اعتقلت فيها فإني سأقوم بنفس الممارسات التي سجنت من أجلها ).
واليوم المناضل كريم يونس بعد 40 عاماً قضاها في الأسر يقول : (مستعد أن أضحي 40 عاماً أخرى من أجل حرية شعبي)، ومن بعده بأيام معدودة، قال ابن عمه ماهر يونس الذي أمضى نفس الفترة، فور خروجه: (نحن شعب الجبارين.. و40 سنة بالأسر مهر للعروس فلسطين.. ومهر حريتها غالٍ).
ببساطة إنه الإيمان بالمعتقد والقناعات، فأولاد يونس يتنفسون على قناعتين راسختين: الأولى هي الإيمان بحتمية النصر، والثانية هي الاستعداد للتضحية. وبالرغم من قضاء أجسادهم من الأعوام أربعين خلف جدارن الزنازين، إلا أن أرواحهم بقيت حرةً، محكومةً بالإيمان الأبدي في الزمان والمكان، وشاهداً حيّاً على أن الفلسطينيون شعب استثنائي في وطن استثنائي.
على الرغم من فرحة الشعب الفلسطيني العارمة بحرية أولاد يونس بداية عام 2023، إلا أن هذا العام يبدو أنه سيكون أكثر دموية وتنكيلاً من الأعوام السابقة، في ظل سطوة اليمين الإسرائيلي المتطرّف، ما يتطلّب تطوير منهجيات وآليات وأدوات نضالية استثنائية دعماً للقضية الفلسطينية.
ومن أجل التطلع إلى المستقبل، وصوناً لإرث الثورة، وإرث أولاد يونس الذين يمثلون أهم رموزها، فإن الإفراج عنهم بعد أربعين عاماً قضوها في معتقلات الظلم الصهيونية- وهي أطول فترة اعتقال سياسي في العالم- محطة يجب الوقوف عندها طويلاً للتعبئة ضد الاحتلال وللنهوض القومي والوطني، من أجل حرية الأسرى الواجبة على كل واحد فينا.
حيث أن الباب لا يزال مفتوحاً ليجتاز أسرى آخرون حاجز الأربعين عاماً وربما أكثر، كما لا يزال مفتوحاً لإرتقاء مزيد من شهداء الحركة الأسيرة، لا سيّما في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي ومن لحظة تشكّلها ونحن نشهد ارتفاعاً غير مسبوقاً لوتيرة النقل والتنكيل داخل السجون الإسرائيلية وإجراءات تصعيدية للأسرى، ما يتطلّب فعل جدي وتحرّك فوري على كافة الجبهات.
بن غفير يتوعّد، والحركة الأسيرة تؤكد جاهزيتها لسحق محاولاته الجنونية .. المطلوب الآن من كل فلسطيني حر شريف، كلٌ في موقعه أن يتقدّم إلى هدفه المعلوم.
*فادي أبوبكر
كاتب وباحث فلسطيني
 
 
 
 
 
 
 
 

سجل انتهاكات حقوق الأسرى المرضى على طاولة المؤتمر السادس للتحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين

في . نشر في مقالات

 بقلم اللواء قدري أبوبكر
رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين
 
 
في المؤتمر السادس للتحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين، رُفع النقاب عن الكثير من الانتهاكات التي تعرض لها الأسرى الفلسطينيين وبشكل خاص الأسرى المرضى منهم، ووثقت من قبل شهادات الأسرى، وتدُلّل عليها الإحصائيات والبيانات التي تُحدّثها مؤسسات الأسرى بشكل مستمر ، وهي تحاكي ما يعانيه الأسرى في سجون وزنازين الاحتلال الاسرائيلي.
 
وقد نُظّم المؤتمر بتاريخ 13 ديسمبر 2020 تحت شعار "كل التضامن مع الأسرى المرضى والحرية لأسرى فلسطين"، وبمشاركة واسعة من 45 دولة عربية وأوروبية وروسيا والولايات المتحدة، عبر تقنية الاتصال الالكتروني، وسط ظروف تعد الأصعب على الأسرى صحياً ومعيشياً.
 
وكشف المؤتمر عن عدد الأسرى داخل سجون الاحتلال الذي بلغ ما يقارب 4300 أسيراً وأسيرة، من كل فئات الشعب الفلسطيني، على النحو التالي: ( الأسرى المرضى 700، المحكومين مدى الحياة 570، الأطفال 170، الأسيرات 41، المعتقلون إدارياً 370 )، وما يعانيه الأسرى المرضى من سياسة القتل الطبي البطيء التي كان آخر ضحاياها الشهيد كمال أبو وعر، والذي باستشهاده وصل عدد شهداء الحركة الأسيرة إلى 226 شهيداً، نصفهم استشهد نتيجة سياسة القتل الطبي البطيء.
 
ويضاف إلى ذلك، سياسة العنصرية واللامبالاة والاستهتار الإسرائيلي بحياة الأسرى في ظل تفشي جائحة كورونا، ففي الوقت الذي أطلقت فيه مختلف دول العالم مئات الآلاف من المعتقلين والسجناء لديها، رفضت سلطات الاحتلال الإسرائيلي إطلاق سراح أي أسير فلسطيني أمني، رغم المناشدات والمطالبات المحلية والأممية بضرورة إطلاق سراح الأسرى لا سيما الأكثر عرضة للإصابة بفيروس كورونا من المرضى وكبار السن، وواجهت دول الاحتلال هذه المناشدات بمزيد من الاعتقالات، إذ اعتقلت السلطات الإسرائيلية منذ بدء الجائحة حتى يومنا هذا ما يزيد عن 3300 مواطن فلسطيني .
 
ولم يكتفي الاحتلال بذلك، حيث قام بسحب عشرات الأصناف من "الكانتينا"، ومن بينها مواد التنظيف والتعقيم، كما إستمرت الإجراءات اليومية داخل السجون والمعتقلات، والإختلاط اليومي من قبل السجانين بالأسرى سواء على العدد أو التفتيش، أو الإقتحامات الغير مبررة، وكل ذلك دون إتخاذ أي شكل من أشكال الوقاية، وكان نتاج ذلك أن وصل عدد الاسرى الذي أصيبوا بفيروس كورونا حتى اليوم ما يقارب 140، والعدد مرشّح للزيادة في ضوء استمرار هذه السياسة العنصرية تجاه أسرانا وأسيراتنا.
 
وتصادف عقد المؤتمر بعد ثلاثة أيام على الذكرى الثانية والسبعين لليوم العالمي لحقوق الإنسان ( 10 ديسمبر 2020)، ليوجّه أنظار العالم من جديد إلى انتهاكات الكيان الإسرائيلي بحق أسرانا وأسيراتنا، التي باتت ممارسات روتينية ويومية، ولا يجد آلاف الأسرى وذويهم سُبلاً للانتصاف من مجرمي الكيان الاسرائيلي وادارات سجونه، جراء غياب الردع والمحاسبة الدولية.
 
حيث ما زال المجتمع الدولي يتعاطى مع ملف الأسرى الفلسطينيين بلغة الشجب والإستنكار من دون خطوات فعلية، وهذا ما يفاقم مأساتهم ومعاناتهم، وكُلّنا أمل بأن تدق الحملة الدولية التي أطلقها المؤتمر من أجل التضامن مع أسرانا المرضى وإطلاق سراحهم، ناقوس الخطر لدى المجتمع الدولي بكافة تمثلاته ليتقدم باتجاه اتخاذ كافة الإجراءت القانونية والطبية لحماية وإنقاذ أسرانا وأسيراتنا داخل سجون الاحتلال.
 
قد حان الوقت لرسم الخطوط الحمراء لهذا الكيان الإجرامي فيما يخص معاملة أسرانا وأسيراتنا، وأن تُطبّق كافة الاعلانات والاتفاقيات الدولية التي تكفل حقوقهم المعيشية والصحية والمادية، وأن تُفرض عقوبات دولية على الكيان الإسرائيلي. حيث أن انتهاك الاحتلال لحقوق الأسرى الفلسطينيين هو انتهاك لمبادئ الاعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتهديد وجودي للمنظمات الدولية التي تقوم مبادئها على احترام هذه الحقوق، كما هو تهديد للاستقرار والسلام في المنطقة.

في زمن كورونا: واقع الأسرى ومتطلبات المرحلة

في . نشر في مقالات

بقلم/عبد الناصر عوني فروانة- رئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحررين
 
لا فرق بين "كورونا" والسجان الإسرائيلي، فكلاهما "فايروس" قاتل، يقتحم أقسام وغُرف الأسرى ويُهاجم أجسادهم ويُعذِب الإنسان ويؤذي النفس والجسد ويُمارس القمع والقهر ويقتل الروح. هكذا كان السجان دوماً، وهذا هو فايروس كورونا المستجد..
إن واقع الأسرى الفلسطينيين وخاصة الواقع الصحي وقبل زمن كورونا، هو بالأساس مأساوي، فلقد أجازت دولة الاحتلال لنفسها مخالفة اتفاقيتي جنيف، الثالثة والرابعة، وانتهاك المواثيق الدولية الأخرى، وتجاوزت كل القوانين والأعراف الإنسانية ومتطلبات المعايير الدولية في تعاملها معهم، ما داموا خاضعين للحجز وحيثما كان المكان.
وفي زمن "كورونا"، بقيت ظروف الاحتجاز على حالها. حيث المعاملة القاسية والبيئة الملوثة والأماكن المغلقة والغرف المكتظة التي تفتقر إلى التهوية المناسبة. ومن الثابت أن إدارة السجون الإسرائيلية لم تتخذ أي وسيلة لحماية المحتجزين، حيث لم تُجرِ أية تحسينات على النظام الصحي أو الغذائي بما يساهم في تقوية الأسرى وتعزيز المناعة لديهم وخاصة المرضى منهم. كما ولم تتراجع عن سلوكها الشاذ في اقتحام أقسام وغرف الأسرى واستخدام القوة المفرطة بحقهم، ولم تُغير قواعد المعاملة وظروف التحقيق وأدوات التعذيب، أو تُخفض مستوى اجراءاتها التي تُنفذها يومياً بدواعي (الأمن)، دون مراعاة لخطورة الاحتكاك والمخالطة واحتمالية انتشار العدوى، فواصلت اهمالها واستهتارها وقمعها، ولم تسمح للمؤسسات المعنية بإدخال ما يمكن أن يساعد الأسرى في توفير الحماية من خطر العدوى والاصابة بالفايروس. بل ذهبت إلى ما هو أخطر، حينما صادرت عشرات أصناف المواد الغذائية وأدوات النظافة من مقصف السجن والتي كان يشتريها الأسرى على نفقتهم الخاصة، مما يؤكد على أنها تتعمد إلحاق الأذى بالأسرى، وغير مكترثة بما قد يصيبهم من خطر.
ان ذاك الخطر قد داهم الجدران بالفعل، وبات الفايروس ضيفاً ثقيلاً يتنقل بين السجون ويُهاجم أجساد الأسرى ويُؤذيها، فأصاب واحد وثلاثين أسيراً، حتى كتابة هذه السطور، جُلهم في سجن "عوفر"، وذلك وفقاً للرواية الإسرائيلية المشكوك فيها دوما وأبدا، ونخشى أن تكون الأرقام أكبر من ذلك، حيث لدينا تجارب سابقة مع ادارة سجون الاحتلال، إذ كثيراً ما أخفت الملفات الطبية للأسرى، وفي مرات عديدة تكتمت على طبيعة الأمراض التي كان يعاني منها بعض المرضى ولم تُفصح عنها.
ان سلطات الاحتلال لم تكتفِ بذلك، وإنما سعت الى توظيف فايروس "كورونا" لمعاقبة الاسرى وذويهم ومفاقمة معاناتهم، وكأن التعذيب النفسي والجسدي والإهمال الطبي وتجويع المحجوزين لم يعد كافياً لإشباع نهمها الانتقامي وتنفيس حقدها، فصادرت وعبر إدارة السجون بعض الحقوق وفرضت اجراءات استثنائية بذريعة "كورونا"، والتي يُخشى ان تتحول الى قاعدة يحتاج تغييرها وإعادة الاوضاع الى ما كانت عليه قبل زمن "كورونا" إلى كثير من التضحيات والخطوات النضالية.
وأمام خطورة هذا الوضع وتدهور ظروف الاحتجاز وتردي الأوضاع الصحية، فإن التحديات تَكبر والصعوبات تتراكم، مما يستدعي التحرك الجاد والعاجل على أكثر من صعيد بما يضمن إنقاذ حياة الأسرى المرضى، وتوفير الحماية للآخرين كافة من وباء الاحتلال وفايروس السجان وجائحة "كورونا". ومن وجهة نظري فإن متطلبات المرحلة تتلخص بالتالي:
أولاً: ان الحالة الصحية التي يشهدها العالم جراء جائحة "كورونا" وحالة الحجر التي يعيشها الملايين من البشر في القارات المختلفة، كانت فرصة مهمة لكسر العزلة عن الأسرى والمعتقلين وتسلط الضوء على سوء الأوضاع الصحية وما يتعرضون له من معاملة لا إنسانية في أقسام وغرف الحجز. ومع ذلك ما زال أمامنا متسع من الوقت والمساحة الكافية لنجعل من الحجر المنزلي فرصة لاستشعار معاناة المحجوزين في سجون الاحتلال.
صحيح كان هناك الكثير من حملات التضامن التي أُطلقت خلال الشهور الأولى من انتشار جائحة "كورونا"، تضامنا مع الأسرى، ولا شك بأنها حققت مردودا ايجابيا في أوساط المحجورين، واستقطبت أعدادا كبيرة من المتضامنين، إقليميا ودوليا، ولكن يبقى السؤال: ماذا بعد؟. أظن أننا بأمس الحاجة إلى استثمار ومراكمة ما تحقق والبناء عليه كي نجعل من أولئك المتضامنين، أفراد ومؤسسات، معاول بناء، وليس مجرد توقيع لحظي أو تضامن عابر على هذه العريضة أو تلك المذكرة.
ثانياً: الاستمرار في مطالبة منظمة الصحة العالمية ومنظمة الصليب الأحمر مع كثير من الضغط من أجل ضمان إرسال وفد طبي دولي محايد لزيارة السجون والاطلاع عن كثب على حقيقة الأوضاع الصحية وتوفير سُبل الوقاية والحماية للأسرى العُزّل من خطر الإصابة بفايروس "كورونا"، في ظل تزايد أعداد المصابين هناك.
ثالثا: لقد بات من الضرورة الانسانية تدخل المؤسسات الدولية وخاصة منظمة الصليب الاحمر من اجل توفير آليات للتواصل ما بين الاسرى وعائلاتهم في ظل توقف زيارات الاهل بذريعة "كورونا"، كي يطمئن كل طرف على الآخر في ظل تزايد القلق لدى الطرفين وخشية كل طرف على الآخر، مع ارتفاع أعداد المصابين بين صفوف الأسرى وداخل المجتمع الفلسطيني.
رابعاً: الاستمرار في المطالبة بالإفراج عن الأسيرات والأسرى المرضى وكبار السن والأطفال، باعتبارهم الفئات الأكثر عرضة لخطر الاصابة بفايروس "كورونا". خاصة وأن دول كثيرة أقدمت على مثل هكذا خطوة، بما فيها دولة الاحتلال التي سبق وأفرجت عن سجناء اسرائيليين في خطوة تعكس العنصرية والتمييز العنصري .
خامساً: ضرورة العمل، مع حث الأسرى على المساهمة، لتوثيق علمي وممنهج لكافة الأحداث في السجون وأسماء المصابين بالفايروس والاجراءات والتدابير المتخذة من قبل ادارة السجون والمعتقلات الاسرائيلية في زمن "كورونا". وكذلك الاجراءات التي كان من الواجب اتخاذها لحماية الأسرى من الفايروس. فهذا التوثيق سيدحض الرواية الاسرائيلية. حيث يُخشى أن تستغل سلطات الاحتلال تلك الاجراءات المحدودة التي أقدمت على تنفيذها في بعض السجون، وتقدمها وكأنها شاملة في محاولة جديدة لخداع الرأي العام والتحايل على المؤسسات الدولية.
سادساً: من الأهمية بمكان استثمار انضمام دولة فلسطين للمؤسسات والاتفاقيات الدولية، وتوظيف كافة الأليات الاقليمية والدولية للضغط على المؤسسات الدولية لدفعها نحو تحمل مسؤولياتها والتحرك لتوفير الحماية الإنسانية والقانونية للأسرى والمعتقلين. هذا من جانب، ومن جانب آخر تفعيل أدوات المُساءلة والمحاسبة، والمضي بخطوات فعلية وجادة تُقربنا أكثر من المحاكم الدولية وخاصة محكمة الجنايات الدولية (لاهاي) والتي من الممكن أن تشكل رادعا للاحتلال وسجانيه. فان التوجه إلى محكمة الجنايات الدولية بات ضرورة ملحة، في ظل السعي الإسرائيلي لترسيخ ثقافة "الافلات من العقاب" لدى كل الإسرائيليين، واللجوء إلى تشريع "الجرائم" عبر اقرار مجموعة من القوانين. كما ومن الضرورة البحث عن أدوات أكثر وجعا وايلاما للاحتلال.
وفي الختام نُذكّر بأن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تحتجز في سجونها ومعتقلاتها نحو أربعة آلاف وخمسمائة أسير فلسطيني، من بينهم مائة وأربعين طفلا، وواحد وأربعين فتاة وسيدة، ونحو ثلاثمائة وأربعين معتقلا اداريا، دون تهمة أو محاكمة. ومن بين الأسرى هناك المئات من المرضى وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة. كل هؤلاء يتعرضون للقتل البطيئ، وهم بحاجة الى تحرك عاجل، ولا شك بأننا وغيرنا من الشركاء قد تواصلنا مع جهات عديدة وطرقنا أبواب مؤسسات دولية كثيرة وطالبنا الصليب الأحمر مرارا بتوفير آليات للتواصل ودعونا الآخرين بضرورة التحرك لحماية الأسرى من خطر "كورونا" والاستهتار الإسرائيلي. فهذه مسؤولية الكل الفلسطيني، وعلى جميع الأحرار في العالم ودعاة الديمقراطية وحقوق الإنسان تحمل المسؤولية والتحرك قبل فوات الأوان والارتقاء بمستوى الفعل والآداء.
 
 
 
 

إبعاد صلاح الحموري ونهج التطهير العرقي في القدس الكاتب/عبد الناصر عوني فروانة رئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة الاسرى والمحررين وعضو لجنة ادارة الهيئة في قطاع غزة

في . نشر في مقالات

"إن فلسطينيتنا خيارٌ واختيار، وفاءٌ وانتماء، أرضٌ وذاكرة، مكانٌ وزمان، فلا قرار تهجير قسري وتطهير عرقي يرهبنا، ولا قوة فوق الأرض تستطيع أن تقتلع فلسطين، وشعب فلسطين من عقولنا ووجداننا.... أنا أغادرك اليوم يا وطني مجبراً ومكرهاً. أنا أغادرك اليوم من السجن إلى المنفى؛ لكن سأبقى وفياً لك، وحريصاً على حريتك، سأحملك معي أينما كنت، وستبقى أنت بوصلتي الوحيدة، وإلى أن نلتقي مجدداً." هذه ليست مجرد كلمات قالها الأسير صلاح الحموري في لحظة عابرة قبيل إبعاده؛ إنما هي تعبير أصيل عن انتماء صادق والتزام دائم وإيمان راسخ بالواجب الوطني العظيم تجاه وطنه وشعبه.
وللدلالة أكثر، يشدد الحقوقي المقدسي بعد إبعاده بالقول: "المنفى لن يغيّر أبداً من قناعاتي ومواقفي. نعم، هم استطاعوا تغيير موقعي ومكان إقامتي، لكنهم لم ولن يستطيعوا تغيير الفكر الذي أحمله، ولا الرؤية التي أتبناها، ولا الإرادة الفولاذية التي أتحلى بها."
وبذلك يؤكد الحموري على أن تهجير الفلسطيني من وطنه، ونفيه بعيداً عن مدينة القدس، أو إبعاده قسراً عن دياره ومكان سكناه، لا يمكن أن يقتلع الوطن من داخله، فالوطن يسكن داخل كل فلسطيني، وأن حب الوطن عميق وغير عادي، ويحتل كل خلية من جسد المواطن المنتمي، وأن هموم الوطن تؤرق وتؤلم كل مواطن فلسطيني حر أينما كان.
وكانت سلطات الاحتلال الإسرائيلي أبعدت الحموري إلى فرنسا يوم الأحد في الثامن عشر من كانون الأول/ديسمبر 2022، بعد اعتقاله إدارياً لمدة تسعة أشهر، من دون تهمة أو محاكمة، وبعد المصادقة على سحب هويته وحرمانه من الإقامة بالقدس، بحجة خطره على المواطنين وعدم الولاء لدولة الاحتلال والانتماء إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ونشاطه فيها.
وكان الحموري قد تفاجأ بنقله في منتصف الليل من سجن "هداريم" إلى مكان مجهول، وتم احتجازه في السيارة مكبلاً بيديه وقدميه حتى الساعة السادسة والنصف من صباح اليوم التالي الموافق فيه الثامن عشر من كانون الأول/ ديسمبر 2022، وحينها، نُقل إلى الطائرة، حيث ظل مكبلاً طوال الرحلة، وصولاً إلى فرنسا.
وكانت سلطات الاحتلال الإسرائيلي أعادت اعتقال المحامي صلاح الحموري في السابع من آذار/مارس 2022، بعد اقتحام وتفتيش منزله في بلدة كفر عقب في محافظة القدس؛ حينها، أصدر القائد العسكري أمر اعتقال إداري بحقه لمدة ثلاثة أشهر، من دون تهمة أو محاكمة، وفي اليوم المحدد للإفراج عنه، جرى تجديد أمر الاعتقال الإداري لمدة ثلاثة أشهر أُخرى، إلا إن سلطات الاحتلال لم تفرج عنه بعد انتهاء المدة، وأبقته رهن الاعتقال كما في المرة الأولى، واستخدمت سيف التجديد المسلط على رقاب المعتقلين الفلسطينيين، وجددت أمر اعتقاله الإداري لثلاثة أشهر أُخرى قابلة للتجديد إلى أجل غير مسمى، استناداً إلى ما يُعرف بـ "الملف السري" الذي لا يُسمح للمعتقل أو لمحاميه، بالإطلاع عليه.
وبعد انتهاء مدة اعتقاله الإداري في الخامس من كانون الأول/ديسمبر 2022، عقدت المحكمة في اليوم التالي جلستيْ استماع بخصوص ترحيل المعتقل الإداري صلاح الحموري، بحضور الممثلين القانونيين والقنصل الفرنسي، كونه يحمل الجنسية الفرنسية، وقررت رفض طلب محاميه الإفراج عنه، وإبقائه في الاعتقال إلى حين البت بقرار إبعاده.
وبالمناسبة، هذه لم تكن المرة الأولى التي يُعتقل فيها الحموري، إذ سبق أن اعتقلته سلطات الاحتلال عدة مرات، وأمضى ما مجموعه تسعة أعوام في سجون الاحتلال الإسرائيلي، كما تعرّض لكثير من إجراءات الملاحقة والمحاصرة والمراقبة والتضييق، وكانت المرة الأولى التي يُعتقل فيها صلاح سنة 2001 لمدة خمسة أشهر، وكان يبلغ من العمر 16 عاماً، بينما أمضى في إحداها سبعة أعوام متتالية، وأُطلق سراحه في 18 كانون الأول/ديسمبر 2011، وقبل انتهاء مدة محكوميته بثلاثة أشهر، ضمن الدفعة الثانية، بموجب صفقة (شاليط) التي تُعرف فلسطينياً بصفقة "وفاء الأحرار"، ثم بدأ مشواره مع الدراسة في جامعة أبو ديس ليصبح محامياً مزاولاً وناشطاً ومدافعاً عن حقوق الإنسان.
من هو صلاح الحموري؟
صلاح حسن الحموري، هو محامٍ فلسطيني وحقوقي ومدافع عن حقوق الإنسان، وكان أحد موظفي مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، وُلد بتاريخ 25 نيسان/أبريل 1985، تربى وترعرع وتعلم في مدينة القدس، حيث يقيم هناك، ويحمل الهوية المقدسية والجنسية الفرنسية، وهو الابن الأكبر لأب فلسطيني وأم فرنسية، لديه أخت (كارولين) وأخ (أمير)، تزوج سنة 2014 من "إلسا ليفورت" وهي فرنسية الجنسية، وقد جاءت بتأشيرة سياحية لتعيش معه في فلسطين بعد زواجهما، إلا إن سلطات الاحتلال رفضت تجديد التأشيرة بعد انتهائها، كما لم تردّ على طلب لمّ الشمل الذي تقدم به زوجها.
واستمر ذلك حتى نهاية سنة 2015، حين حصلت "إلسا" على تأشيرة عمل مع القنصلية الفرنسية في القدس لمدة عام كامل، ثم قررت السفر إلى فرنسا لزيارة أهلها بصحبة زوجها صلاح قبل أن يحين موعد الولادة، إذ إنها كانت حاملاً في شهرها السادس، وعند عودتها من فرنسا في الخامس من كانون الثاني/ يناير 2016 تم منعها من دخول فلسطين، وجرى حجزها في غرفة توقيف داخل مطار بن غوريون وهي حامل في أشهرها الأخيرة في ظروف صعبة، ومن دون أي رعاية صحية، وبعد يومين، أُجبرت على مغادرة البلاد والعودة إلى فرنسا. وبعد ترحيلها، أصدرت سلطات الاحتلال قرارها برفض طلب لمّ الشمل الذي سبق أن قدمه زوجها، ومنذ ذلك الحين، وهي ممنوعة من العودة إلى بيتها في القدس وممارسة حياتها بشكل طبيعي مع زوجها الذي تعرّض لحملة إسرائيلية ممنهجة ضده، بدءاً من اعتقاله الإداري واحتجازه التعسفي وتقييد حركته، مروراً بالتجسس على هاتفه ومراقبته، وصولاً إلى سحب إقامته المقدسية وإبعاده إلى فرنسا، ليلتحق بزوجته وحرمانهما من زيارة القدس بقرار إسرائيلي. لكنه لم يستسلم، وقرر مواصلة النضال القانوني إلى جانب حقوق شعبه وضد سحب هويته المقدسية وتهجيره القسري.
وكانت وزارة الخارجية الفرنسية دانت في بيان لها قرار السلطات الإسرائيلية المخالف للقانون الدولي بترحيل صلاح الحموري إلى فرنسا.
وقالت: "منذ اعتقاله الأخير، اتخذت فرنسا إجراءات كاملة، بما في ذلك على أعلى مستوى في الدولة لضمان احترام حقوق الحموري وتمكينه من أن يعيش حياة طبيعية في القدس، حيث وُلد ويقيم ويرغب في العيش." وتابعت: "اتخذت فرنسا خطوات عديدة مع السلطات الإسرائيلية للتعبير عن معارضتها لطرد فلسطيني مقيم بالقدس الشرقية، وهي أرض محتلة بالمعنى المقصود في اتفاقية جنيف الرابعة."
إبعاد الحموري جزء من نهج الاحتلال القائم على التطهير العرقي في القدس
إن إبعاد الحموري يندرج ضمن استهداف الناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان في فلسطين، بهدف النيل من إرادتهم ومنعهم من ممارسة دورهم المجتمعي في التوعية والدفاع عن حرية الأفراد وحقوقهم. كما يُعتبر بمثابة تشريع احتلالي جديد لطرد الفلسطينيين وإبعادهم عن العاصمة الفلسطينية المحتلة، كجزء من نهج الاحتلال القائم على التطهير العرقي والتهجير القسري للفلسطينيين في القدس، تحت ذرائع وحجج مختلفة، وهو امتداد لسلسلة قوانين وسياسات عنصرية سنّتها سلطات الاحتلال منذ سنة 1967؛ لتقليص الوجود الفلسطيني في المدينة المقدسة وتغيير معالمها الديموغرافية والجغرافية والتاريخية، وصولاً إلى إفراغها من سكانها الأصليين، وتهويدها، وتحقيق أغلبية يهودية.
الإبعاد والقانون الدولي
إن الإبعاد سياسة قديمة جديدة، اتبعتها دولة الاحتلال الإسرائيلي بشكل ممنهج، وكوسيلة من وسائل العقاب الجماعي للفلسطينيين، فقد هدمت القرى الفلسطينية وهجّرت سكانها، قبيل إعلان دولتها سنة 1948، ثم واصلت هذه السياسة وطورتها بعد احتلالها ما تبقى من فلسطين سنة 1967، وأبعدت آلاف الفلسطينيين عن ديارهم، وتصاعدت عمليات الإبعاد - الفردي والجماعي- خلال انتفاضة الحجارة سنة 1987، ثم تراجعت مع بدايات سنة 1994، مع تطبيق المرحلة الأولى من اتفاق أوسلو، وقيام السلطة الوطنية الفلسطينية، وعادت هذه السياسة إلى الظهور مرة أُخرى مع اندلاع انتفاضة الأقصى في أواخر سنة 2000، وبوتيرة متصاعدة، وأبعدت منذاك الوقت نحو 300 فلسطيني/ة من القدس والضفة الغربية، وأن أغلبية هؤلاء تم إبعادهم إلى قطاع غزة، وليس انتهاءً بسحب الهوية المقدسية وحق الإقامة وإبعاد المعتقل الإداري صلاح الحموري إلى فرنسا. مع العلم بأن هذا العدد لا يتناول مَن تم إبعادهم لفترات محدودة داخل أحياء القدس، أو من القدس إلى مناطق في الضفة الغربية.
إن سياسة إبعاد المواطنين بشكل فردي أو جماعي، ونفيهم قسراً إلى أماكن بعيدة عن مكان سكناهم، داخل مناطق الأراضي المحتلة أو خارجها، وتحت ذرائع وحجج مختلفة، سواء بالإكراه، أم بموافقة الشخص المبعَد، ولفترة زمنية محددة، أم بصورة دائمة، في إطار اتفاقيات، فردية كانت أم جماعية- بغض النظر عن ظروفها ودوافعها وآليات تنفيذها- ما هي إلا ممارسة قسرية وغير قانونية، وتُعتبر من أقسى العقوبات المحظورة وغير المشروعة، وتمثل انتهاكاً خطيراً ومخالفة صريحة للقانون الدولي، وتشكل جريمة ضد الإنسانية، وعقاباً فردياً وجماعياً للمبعدين ولعائلاتهم، وتشتت الأُسر وتشرذم العائلات، وتشرد السكان وتخلق مشكلات سياسية واقتصادية ونفسية واجتماعية يصعب حلها لاحقاً.
كما يمثل الإبعاد الإسرائيلي للفلسطينيين خرقاً لاتفاقية جنيف الرابعة (1949)، التي حظرت النقل الجبري للسكان، بموجب أحكام المادة 49 التي تنص على أنه: "يحظر النقل الجبري - الجماعي أو الفردي - للأشخاص المحميين، أو نفيهم من أراضي دولة الاحتلال إلى أراضي أي دولة أُخرى، محتلة أو غير محتلة، أياً كانت دواعيه."
عن الكاتب:
عبد الناصر فروانة: أسير محرر ومختص بشؤون الأسرى والمحررين، وعضو المجلس الوطني الفلسطيني، ورئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحررين، وعضو لجنة إدارة هيئة الأسرى في قطاع غزة، وله موقع شخصي مختص بشؤون الأسرى "فلسطين خلف القضبان".
 
 
 
 
 
 
 

في اليوم العالمي لذوي الاعاقة ذوو الاعاقة ومعاناتهم المتفاقمة جراء الاعتقال *بقلم / عبد الناصر عوني فروانة رئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحررين

في . نشر في مقالات

 
الإعاقة.. كما عرفتها المواثيق الرسمية تعني قصوراً أو عيباً وظيفياً يصيب عضواً أو وظيفة من وظائف الإنسان العضوية أو النفسية بحيث يؤدي إلى خلل أو تبدل في عملية تكيف هذه الوظيفة مع الوسط.
وفي العام 1992 خصصت الأمم المتحدة الثالث من كانون أول/ ديسمبر لذوي الاعاقة، لتضع حضور هذه الفئة الهامة على جدول أعمال المجتمع الدولي، لينظر في أوضاعها ومتطلباتها واحتياجاتها وسبل نصرتها، وكذلك لزيادة الوعي والفهم لقضايا الاعاقة، والتأكيد على احترام وحماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ودعمهم في كافة أنحاء العالم وضمان توفير حقوقهم.
فيما تشير الوقائع والإحصاءات إلى ارتفاع مضطرد في أعداد الأشخاص ذوي الإعاقة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، جراء تعمد الاعتداءات المتصاعدة والممارسات القمعية الممنهجة واستمرار الانتهاكات والجرائم بحقهم من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنيه، ، دون مراعاة لأوضاعهم أو أدنى احترام لحقوقهم واحتياجاتهم الخاصة.
والأمر لا يقتصر على ذلك، بل أن فسلطات الاحتلال لم تستثنهم من اعتقالاتها التعسفية، ولم ترحمهم من بطشها وتعذيبها وسوء معاملتها، ولا تراعي احتياجاتهم بعد احتجازهم في سجونها، فقيدّت ما تبقى لديهم من أطراف بسلاسلها الحديدية أو البلاستيكية، وزجت بأجسادهم المنهكة والمعاقة والمقعدة في زنازينها الضيقة وسجونها السيئة، مما زاد من معاناتهم وفاقم من آلامهم.
وما زالت سلطات الاحتلال تحتجز في سجونها ومعتقلاتها العشرات من الفلسطينيين ممن يعانون من إعاقات جسدية ( كاملة أو جزئية)، وإعاقات ذهنية وعقلية ونفسية، أو إعاقات حسية (كالإعاقة السمعية والبصرية). في تحدي فاضح وانتهاك صارخ لكافة الاتفاقيات والمواثيق الدولية، ولاسيما اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي كفلت لهذه الفئة حق التمتع في الحرية والأمن الشخصي، وعدم حرمانهم من حريتهم بشكل تعسفي.
ولم تكتفِ دولة الاحتلال بعدم احترام حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة، وانما لم توفر للمعتقلين منهم احتياجاتهم الأساسية كالأجهزة الطبية المساعدة، والأطراف الصناعية لفاقدي الأطراف، والنظارات الطبية أو أجهزة خاصة بالمشي والفرشات الطبية أو آلات الكتابة الخاصة بالمكفوفين وغيرها. كما وتضع العراقيل أمام محاولات إدخالها من قبل المؤسسات المختصة والحقوقية والإنسانية، مما يشكل عقوبة جديدة بحق ذوي الاعاقة، ويفاقم من معاناتهم داخل سجون الاحتلال، ويضاعف من قلق عوائلهم عليهم. هذا في ظل عدم وجود أطباء نفسيين مختصين ومرشدين اجتماعيين في السجون الإسرائيلية.
ان بعض ذوي الاعاقة القابعين في سجون الاحتلال الإسرائيلي كانوا قد أعتقلوا وهم يعانون الإعاقة جراء ظروف وأسباب مختلفة، بعضها كان الاحتلال سببا رئيسياً في إحداثها. والبعض الآخر انضم لجيش المعاقين بعد الاعتقال جراء ما يُمارس بحق المعتقلين وما يتعرضون له. وأن المعطيات الإحصائية تشير الى ارتفاع مضطرد في عدد الأشخاص ذوي الإعاقة بين أولئك الذين مرّوا بتجربة الاعتقال، حيث كان الاعتقال والسجن سببا رئيسياً في انضمامهم لتلك الفئة، وحيث تصاعد التعذيب والتنكيل بالمصابين، واستمرار العزل الانفرادي والاهمال الطبي واتساع الاستهتار الإسرائيلي وتمادي السجان والطبيب والممرض بجرائمهم بحق الأسرى وعدم الاكتراث بمعاناتهم والأمراض المتعددة التي تصيبهم، الأمر الذي يجعلهم أكثر عرضة للإعاقة.
ان أوضاع الأشخاص ذوي الإعاقة في السجون الإسرائيلية، وكذلك المحررين منهم، تتطلب من الأمم المتحدة ومن كافة مؤسسات المجتمع الدولي وخلال احتفالاته باليوم العالمي الخاص بهذه الفئة:
أولا: ان يضعهم على جدول أعماله، وأن ينظر في أوضاعهم واحتياجاتهم، وأن ينتصر لهم ولحقوقهم الإنسانية واحتياجاتهم الأساسية، وان يتحرك بشكل جاد للحد من تدهور أوضاعهم.
ثانيا: الضغط على سلطات الاحتلال لوقف اعتقالاتها لذوي الاعاقة وإطلاق سراح كافة المعتقلين منهم، والعمل على توفير مستوى لائق من الحياة الكريمة لكل من تسبب الاحتلال بإعاقتهم، أو كان السجن والتعذيب سببا في انضمامهم لهذه الفئة.
ثالثا: توفير الحماية لكافة الأسرى والمعتقلين في السجون الإسرائيلية من خطر الاصابة بالإعاقة، أكانت جسدية و نفسية أو حسية، والعمل على تغيير الظروف والعوامل التي تسببت بالإعاقة لدى الكثيرين من الأسرى والمحررين
 

الكورونا ڤايروس والاسرى الفلسطينييون والضمير الغائب !!!

في . نشر في مقالات

بقلم اياد الاقرع( أبو الفاتح)/  عضو المجلس الثوري لحركه فتح.                                                   

منذ الانتداب البريطاني حتى هذا الاحتلال الاسرائيلي القبيح بل الأقبح  على هذ الأرض وشعبنا الفلسطيني يرزح تحت نير الظلم والاضطهاد، فقدم على مر التاريخ المعاصر كوكبة من الشهداء تلو الكوكبة، ورافقتهم قوافل من الأسرى.. الأسرى الفلسطينيون الذين شكلوا ظاهرة فريدة مشرقة في التاريخ الحديث ..حيث ظلوا خط الدفاع الأول عن شعبنا وامتنا لنيل الاستقلال وتحرير الإنسان من العبودية والتمييز، رسالة كفلها رب السماء لعباده، وظلوا خط الدفاع الأول عن هذه الأمة، هؤلاء الأسرى الذين يعانون في سجون الاحتلال شتى أنواع القسوة من تعذيب وعزل واضطهاد وتنكيل، ويفتقدون  لأدنى حقوقهم الإنسانية التي كفلتها جميع الشرائع السماوية والقوانين الدولية .. واليوم يواجه  أسرانا بظروفهم الصعبة تحديا آخر، وهو  تهديد تفشي وباء الكورونا بينهم لا قدر الله  في غفلة من الزمن، حيث العالم منشغل به، بل كل من على هذا الكوكب في كيفية تطويق هذا الوباء ..العالم  مشغول بنفسه بدءًا بالفرد وانتهاء بالدول وصولًا للعالم أجمع، وأسرانا الأبطال منسيون في غياهب السجون والوضع سيكون أكثر كارثية . ومن هنا لا بد من الإفراج العاجل عنهم.. إننا نناشد  الإنسانية جمعاء ..أسرانا في خطر ..أما آن الأوان للعالم الحر أن يقول كلمته؟ بل على الأمم المتحدة، وجميع مجالس وحقوق الإنسان في العالم أن يقولوا لإسرائيل كفى استهتارا بحياة الفلسطيني ..القلق يساور الجميع وهم في بيوتهم، وكل واحد حوله كل مقومات الحياة بدءاً بالتعقيم وانتهاء بالمأكل المناسب واللباس المناسب وتوفير أماكن خاصة في حالة الإصابة..فماذا يصنع هؤلاء الأبطال مقيدو الحرية وسط الاكتظاظ داخل غرف الاعتقال والتحقيق ومراكز توقيف لا تتوفر فيها الحدود الدنيا للآدمية ..ومن هنا لا بد من وقفة جادة من كل الأحرار  في العالم للوقوف بجانب فخامة الرئيس محمود عباس (أبو مازن ) الذي لم يترك منصة دولية ولا مناسبة إلا ويطالب فيها بتحرير أسيراتنا وأسرانا الأبطال ويوجه نداءً مستمرا ..انقذوا أسرانا وأبناءنا من الموت المحقق ..أسرانا وأسيراتنا في خطر .لا بد من تحريرهم فورا دون قيد أو شرط، ونخص بالذكر الأشبال الذين ما زالوا في عمر الورود،  والأحكام العاليه والذين لا تاريخ للإفراج عنهم ويعانون من قهر لا مثيل له.

أمنيات السلامة لأسيراتنا وأسرانا الأبطال وأمتنا العربية والإسلامية ولكل الإنسانية.

أطلقوا سراحهم لعل الله يشفع لكم من كورونا.