"الاعتقال الإداري" .. احياء يوم الأسير الفلسطيني في جامعة الدول العربية اليوم الاثنين الموافق ٨ أيار / ٢٠٢٣

في . نشر في الاخبار

يعاني الشعب الفلسطيني يومياً من سياسة الاعتقال الاداري، والتي تحولت الى عقاب جماعي تنتهجه دولة الاحتلال الاسرائيلي للانتقام من المناضلين والمكافحين للخلاص من الاحتلال، وكذلك من الاسرى المحررين الذين باتوا تحت تهديد خطر العودة الى السجون والمعتقلات، وفقاً لمزاجية واهواء ضباط المخابرات الاسرائيلية، الذي يتولوا الاشراف على القرى والمخيمات والمدن الفلسطينية، وفقا لتقسيمات عسكرية احتلالية.
وقبل البدء في عرض هذه الورقة المختصرة والمكثفة عن الاعتقال الاداري، لا بد من التطرق الى تعريف هذا النوع من الاعتقال:
الاعتقال الاداري: " يُعرَّف هذا النوع من الاعتقال بأنه قيام السلطة التنفيذية المسيطرة على الارض باعتقال شخص ما، وحرمانه من حريته، دون توجيه أي تهمة محددة ضده، بصورة رسمية، ومن دون تقديمه إلى المحاكمة، وذلك عن طريق استخدام إجراءات إدارية.
ويُعدّ "الاعتقال الإداري" تدبيراً شديد القسوة للسيطرة على الأمور، والوسيلة الأكثر تطرفاً، ويُعتبر إجراءً شاذاً واستثنائياً، لأن المبدأ العام للقانون يقول: إن حرية الأشخاص هي القاعدة، وذلك على افتراض أن نظام العدالة الجنائية قادر على معالجة مسألة الأشخاص المشتبه في أنهم يمثلون خطراً على الأمن العام ".
وبعد هذا التعريف المقتبس، لا بد من تسليط الضوء على كيفية استخدام اسرائيل لهذه السياسة، حيث ورثه الاحتلال عن الانتداب البريطاني الذي سيطر على فلسطين قبل احتلالها من العصابات الصهيونية، وقام بدراسته وتطويره واعطائه شكلاً خاصاً يتناسب مع منهجيته العنصرية الانتقامية، حيث حولته من إستثناء الى قاعدة ثابتة واساسية في الاستخدام والتطبيق، وإجراءاً روتينياً وجزءاً أساسياً من معاملتها للفلسطينيين، دون الالتزام بالمبادئ والإجراءات القضائية، ولا بالضمانات الإجرائية التي حددها القانون الدولي، كما لم تلتزم بروح قانون "الاعتقال الإداري" الموروث عن الانتداب، وقامت بإصدار عدة أوامر وقرارات عسكرية، لشرعنة "الاعتقال الإداري" وتكريسه وتوسيع تطبيقه، بما يخدم سياستها، وهذا السلوك الإسرائيلي يشكل جريمة، وفقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
قرارات الاعتقال الإداري الصادرة بحق الفلسطينيين
لقد أصدرت سلطات الاحتلال منذ سنة 1967، أكثر من 57 ألف قرار بالاعتقال الإداري، سواء كان قراراً جديداً، أو تمديد، منها أكثر من 30 ألف قرار منذ اندلاع "انتفاضة الأقصى" في 28 أيلول/ سبتمبر 2000، ولا سيما في الأعوام الأخيرة التي شهدت تصاعداً لافتاً في حجم وأعداد القرارات الصادرة، فعلى سبيل المثال: سنة 2019، أصدرت سلطات الاحتلال نحو 1035 قرار اعتقال إداري، أما في سنة 2020 فأصدرت 1114 قراراً، بينما ارتفعت الأعداد أكثر خلال سنة 2021، إذ صدر 1595 قراراً، واستمرت في ارتفاعها خلال عام 2022، حيث اصدرت محاكم الاحتلال العسكرية خلاله، 2409 قرارا إدارياً، في نسق تصاعدي خطير، بالإضافة إلى ارتفاع عدد المعتقلين الإداريين اليوم، ليصل إلى قرابة 1050 معتقلاً إدارياً، بعد أن كان عددهم يتراوح ما بين 450-500 خلال الأربعة أعوام الماضية التي سبق عام 2022.
1050 فلسطينياً ما زالوا يقبعون في سجون الاحتلال الإسرائيلي رهن الاعتقال الإداري، إلى أمد غير معلوم، بينهم 6 اطفال قصر ( أعمارهم اقل من 18 عاماً ) واسيرتين، وانه من الممكن تجديد مدة الاعتقال مراراً وتكراراً، حتى أصبح التجديد سيفاً مسلطاً على رقاب المعتقلين
الإداريين، وهناك من الفلسطينيين مَن مُدّدت فترة اعتقالهم الإداري عدة مرات متتالية وأمضوا في السجون أعواماً طويلة، من دون تهمة أو محاكمة، وقد أمضى بعض المعتقلين الإداريين أعواماً طويلة في سجون الاحتلال تصل إلى خمسة أعوام وأكثر، بصورة متتالية، أو على فترات، استناداً إلى ما يُسمى بـ "الملف السري" الذي يشكل أساس الاعتقال، حيث السرية المفروضة على الأدلة والمواد، والتي لا تسمح للمعتقل بمعرفة أسباب اعتقاله، وكذلك لا يُسمح لمحاميه بالاطلاع على محتوى التهم المنسوبة إلى موكله، وهو ما يجعل من المستحيل ردّ التهم المنسوبة إليه، أو حتى مجرد مناقشتها.
الفئات المستهدَفة
"الاعتقال الإداري" طال كل الفئات العمرية والاجتماعية للشعب الفسطيني: ذكوراً وإناثاً، رجالاً وشيوخاً وأطفالاً، مرضى وأصحّاء. وشمل نواباً ووزراء وأكاديميين وكُتّاباً وإعلاميين ومحامين ومثقفين وقيادات سياسية ومجتمعية... إلخ، بسبب آرائهم وكتاباتهم ومواقفهم ومنشوراتهم عبر السوشيال ميديا، أو عقاباً لحضورهم ومشاركتهم في فعاليات سياسية ووطنية، أو لتحجيم دورهم وتفاعلاتهم الاجتماعية وقوة تأثيرهم، كما لم يقتصر استخدامه بحق المعتقلين الجدد، إنما لجأت سلطات الاحتلال إلى استخدامه ضد كل مَن لم تُثبت إدانته في غرف التحقيق، وأحياناً بعد أن يُمضي المعتقل فترة محكوميته، أو بعد خروجه من السجن بوقت قصير، وعلى عكس الإجراء الجنائي، فإن الاعتقال الإداري يُستخدم أحياناً لمعاقبة شخص، ليس بسبب ارتكابه مخالفة، بل باعتباره يشكل تهديداً للأمن، ومن الممكن أن يقترف المخالفة مستقبلاً، وفقاً لتقديرات الأجهزة الأمنية الاحتلالية الاسرائيلية.
ودفعت سياسة الاعتقال الاداري المعتقلين الى خوض سلسلة من الاضرابات المفتوحة عن الطعام، وذلك بعد ان يأسوا من هذا العقاب الخطير والموجع، والذي يظلم فيه الفلسطيني علناً امام مرآى ومسمع هذا العالم الصامت، وخسر المعتقلين المئات والآلاف من الكيلوغرامات من لحوم اجسادهم بفعل هذه الاضرابات، التي يتضح تأثيرها السلبي على صحة المعتقل الفلسطيني
بعد سنوات قليلة من الافراج عنه، حيث ينهك الجسد من الامراض والاوجاع الناتجة عن ايام الجوع والإمتناع عن تناول الطعام في سبيل طلب الحرية، وتحدي القوانين والممارسات الاسرائيلية، حيث غالبية من خاضوا الاضرابات يدفعون ثمن قرارهم بالدفاع عن كرامتهم وحقهم بالحياة من أرواحهم، حيث يجدون انفسهم طريحي الفراش وتحت رحمة الادوية، ولم يتسطيعوا المقاومة كثيرا لأمراضهم، فنجد انفسنا في جنازاتهم وتشييعهم المحزن.
واليوم، حان الوقت لكي يتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته، وان يمارس سلطاته ونفوذه الحقيقي، لوضع حد لهذا الاستهتار الاسرائيلي بحياة أبناء الشعب الفلسطيني، وان يحاسب قادة الاحتلال على الاستخدام العنصري والانتقامي لسياسة الاعتقال الاداري، وأن تقدم خطوات عملية لانهائها، وان يبدأ ذلك بالافراج عن كافة المعتقلين المحتجزين وفقا لهذه السياسة، وان يكون هناك تدخلات جدية لمنع التجاوزات القانونية واللا انسانية المرتبطة بها، ووقف هذه المهزلة التي تحول المنظومة الدولية لشريك حقيقي بها، كون صمتها يعطي دولة الاحتلال للمضي بها.
 
 
ثائر شريتح
الادارة العامة للعاقات العامة والاعلام
هيئة شؤون الاسرى والمحررين