ام حسن بريجية : تمسك يد الموت بيد خضراء

        بقلم عيسى قراقع

رئيس هيئة شؤون الاسرى والمحررين

8/7/2017

على الجميع ان يذهب بوم الجمعة الى قرية المعصرة إحدى قرى بيت لحم، ويسافر جنوبا ويصعد الى أعلى التلال والجبال وليرى من على بعد 6 كم هوائي البحر والسهول المنهوبة والاشجار المقصوفة، وتلك القرى المحجوزة بين المستوطنات والحواجز ويبحث عن امراة فلاحة اسمها فاطمة بريجية ام حسن، سيجدها في المسيرة الاسبوعية ضد الاستيطان والحصار.

اذا اردت ان تتعفر بالتراب الاحمر والحصى المتناثر وترى امراة حنطية تفيض على الارض، تحرك التراب والملح في عضلات الصخور، تسقي الشجر الجميل بالماء ، تطعمك التوت وتؤجج فيك التاريخ والذكريات ، فاذهب الى فاطمة بريجية في قرية المعصرة، واعصر معها الحياة وانت تصعد معها الى ربوة أعلى لترى البحر خلف المستعمرات ، والطير يعلق اناشيده على اغصان الشجر كالمناديل كي تعبر الرياح.

ام حسن بريجية تنتمي الى تاريخ معصرة الزيتون البيزنطية الرومانية والتي سميت القرية باسمها ، تقنعك ان تشرب من زيت الزيتون لتكتشف تاريخ الخبز وحبة القمح الاولى في سنبلة خضراء مجدولة كضفيرة، وترى وجهك جيدا، ومن مروا من هنا انبياء وشهداء من آلاف السنين، ليبدعوا ويرحلوا ويتركوها محرومة من نسيان جروحها المفتوحة.

ام حسن تروي لك سيرة والدها المجاهد علي اليمني، جاء من اليمن ليشارك في ثورة عز الدين القسام عام 1936، جاء من صنعاء الى فلسطين ليبقى، تزوج من إحدى بناتها وأقسم ان من يأتي هذا البلد ويشرب من ينابيعها ويسير في حقولها ويسمع صوت جوامعها وكنائسها لا يغادرها ابدا، اصلبوني هنا، فالشمس على هذه الارض حقيقية.

ام حسن بريجية امرأة مزارعة ترى فيها جيشا من النساء، وترى فيها كل ام وامرأة وبيت، هي ام الاسرى والشهداء، غادر ابناؤها جميعا الى السجن، فقدت شهيدا في المنفى، لم تبق وحدها، ظلت تتحرك بين الارض والشجر والقبور وبوابات السجون، وظلت تواجه المستعمرين والمستوطنين في المظاهرات،  تقذف الحجارة، ترفع العلم، تهتف للحرية والكرامة، وسوف تصدق حينها ان الكون لا يكون لولاها، وان الليل والنهار لا يمتزجان ويمضيان دون سواها، الفجر بين عينيها وقلبا مكلوما ضاحكا للنور، تعصر التراب بكلتا يداها.

لم تهدأ قرية المعصرة، اعتقل جيش الاحتلال جميع النشطاء والمتضامنين، لكن هناك امرأة تمتد في كل مسامات المنطقة، في اللجان الشعبية والزراعية والتعاونية، منخرطة لحما ودما في العمل النسوي، ذات شخصية مؤثرة ، تستدعي الجميع، لا فراغ في المقاومة، ان لم تكن في المعصرة تجدها في بلعين، وان لم تكن في بلعين تجدها في كفر قدوم، علينا ان نحمي الارض ونشغل المحتلين ، تقول ذلك وهي تهزج الاهازيج الوطنية التي تعلمتها من والدها المجاهد علي اليمني، والموروثة عن اسوار القدس وازقة مدينة عكا والخليل ورمال النقب .

ام حسن بريجية ترأس الآن المجلس القروي في المعصرة، اتفق الجميع عليها، البشر والشجر والهواء وحبات المشمش والدراق وأشتال الميرمية التي اخضرت وكبرت امام قبور الشهداء، وهنا تمتليء نفسها بما ينقص من غياب وحجارة ، تصوغ الافكار تحرص ان تظل حارسة على الصبار والاسماء والخطوات، هناك خلف الجدار منازل موؤدة وذكرى، وهناك حياة تنتظر من يوقظها، لا يكفي ان تقف على الاطلال تراقب النجوم، حركوا الغبار، تقدموا، وتوحدوا واجمعوا الماضي والحاضر في صرخة الآتي، ابذروا البذار، اشياؤنا تموت مثلنا، لكنها لا تدفن معنا.

ام حسن بريجية نحسدها على تطريز الوقت بابرة وخيط اصفر مقطوع من الشمس غير المحتلة، وهي كشجرة الزيتون التي قال فيها محمود درويش: لا تبكي ولا تضحك، هي سيدة السفوح المحتشمة ، بظلها تغطي ساقها ولا تخلع اوراقها امام عاصفة، تقف كأنها جالسة، وتجلس كأنها واقفة.

أم حسن بريجية ، تمسك يد الموت بيد خضراء، وتردد القصائد الغنائية للشاعر اليمني اسماعيل الوريث وتقول:

الارض اجمل كلمة خطت يدي

الارض اجمل بسمة ظهرت لعيني

الارض اجمل نشوة هزت كياني

مازال يربطني باوجاع الولادة حبلها السري