الأسير محمد الحلبي .. غاليليو فلسطين

في . نشر في مقالات

بقلم الكاتب والباحث: فادي أبو بكر

 

تعتبر محاكمة العالم غاليليو غاليلي أطول محاكمة في التاريخ، حيث وُجهت اليه تهمة الزندقة والهرطقة لأنه أثبت أن الشمس هي مركز المجموعة الشمسية، وأن الأرض والكواكب الأخرى تدور حول الشمس. وحكم عليه بالإقامة الجبرية في منزله عام 1633 حتى توفي سنة 1642، وأصدر بابا الفاتيكان قراراً ببرائته سنة 1983، وكان ذلك بعد وفاة جاليليو بنحو 350 عاماً .

في فلسطين، يدخل المهندس محمد خليل الحلبي ابن مخيم جباليا / قطاع غزة مدير مؤسسة الرؤية العالمية الأمريكية (World Vision) في قطاع غزة عامه الثالث داخل المعتقلات الإسرائيلية ؛ عُرض خلال هذه الأعوام أكثر من 114 مرة على محاكم الاحتلال، دون أن يُحكم حتى اللحظة. حيث ما زالت سلطات الاحتلال تحتجز الحلبي بحجة تحويل مبالغ مالية من المؤسسة لصالح فصائل فلسطينية، دون وجود أي دليل مادي أو ثبوت تهمة قانونية ضده.

 تُعتبر مؤسسة الرؤية العالمية مؤسسة إنسانية خيرية أمريكية، وكانت طبيعة عمل الحلبي فيها إنسانية بامتياز. حيث كان يساعد العائلات الفقيرة، والمرضى ( خصوصاً مرضى السرطان)، ويقدم الدعم النفسي للأطفال بعد الحرب، ويساعد المزارعين والصيادين المتضررين. وعلى الرغم من المراجعات التي قامت بها الحكومية الأسترالية للمؤسسة في غزة، أو المراجعات الداخلية التي قامت بها إدارة المؤسسة نفسها، والتي أثبتت براءة الحلبي من كل الاتهامات الإسرائيلية الزائفة، وبالرغم من البيان الذي أصدره المركز الخاص بمتابعة التعذيب في "تل ابيب" عقب زيارته في سجن نفحة والذي يؤكد تعرض الحلبي للتعذيب لانتزاع اعترافات منه بالقوة، تواصل "إسرائيل" احتجازه بالرغم من نفيه كل التهم الموجهة إليه.

تُعتبر محاكمة الحلبي أطول محاكمة يتعرض لها أسير فلسطيني، ليستحق بذلك لقب "غاليلو فلسطين" بلا منازع، وعلى الرغم من الضجيج الذي أحدثته الصحافة الأجنبية، أو منظمة العفو الدولية، أو المؤسسات الحقوقية المختلفة في العالم، إلا أن سلطات الاحتلال الإسرائيلية ما زالت تتغوّل في استهدافها  لروّاد العمل الإنساني، بهدف اغتيال المؤسسات الدولية والإنسانية المناصرة للحق الفلسطيني، وترافقها في هذه السياسة إدارة دونالد ترامب، التي أوقفت تمويل الأونروا، وحجبت المساعدات الإغاثية والطبية والتنموية عن الضفة الغربية وقطاع غزة.

تسعى السلطات الإسرائيلية جاهدةً إلى تحقيق انتصار، وإن كان شكلياً على غاليليو فلسطين، حيث أن لحظة انكساره بالنسبة لها يعني انكساراً لدعاة العمل الإنساني والمؤسسات الدولية التي تقف إلى جانب الحق الفلسطيني، وإن كانت هذه المؤسسات إسرائيلية أو أمريكية!.

 ما زال الأسير محمد الحلبي صامداً في وجه سجانيه، رغم كل الضغوطات والمضايقات، ومنها حرمانه من حق زيارة ذويه، كأبسط حقوقه الإنسانية. حيث يأبى الخنوع والركوع، كحال أي فلسطيني يناضل من أجل الحرية، ليؤكد للعالم أن سقف الأماني والآمال الفلسطينية لم ولن ينخفض.  

يقبع الحلبي في ظروف سيئة خلف جدارن المعتقل وحاله تقول: أين عباد دين الإنسانية؟، ولا يسعنا إلا أن نردد له كلمات الروائي باولو كويلو التي خطها في روايته (هيبي) : "عسى الله أن يمنّ عليك بقوس قزح بعد كل عاصفة... ببسمة بعد كل دمعة ... بوعد بعد كل أسى ... بأغنية جميلة بعد كل تنهيدة ... وباستجابة إلى كل صلاة..".