الاستثمار في الأسرى الأحرار

في . نشر في مقالات

بقلم: فادي قدري أبوبكر/هيئة شؤون الاسرى والمحررين

سعت سلطات السجون الإسرائيلية منذ نشأتها، إلى تركيع وترويض الأسير الفلسطيني بكافة الوسائل المتاحة، إلا أن الأسرى تمكنوا عبر عقود من الصمود والإرادة، ومشوار طويل معبّد بالدم والمعاناة من بناء مؤسسة فاعلة شكلت نداً فعلياً لسلطات السجون وتركت أثراً واضحاً على إدارة الصراع معه، وكانت تهدف في عملها إلى حماية المعتقلين الفلسطينيين من بطش إدارة السجون ومحاولاتها لحرف الثوار عن ثورتهم. كما كان هناك برامج نضالية تهدف إلى ضبط تصرفات الأسرى ومراقبة علاقاتهم مع السجانين، بهدف تعزيز الروح النضالية لديهم وحمايتهم من السقوط والانحراف. وكان الأسير الشهيد عمر القاسم يقول: "حيث يوجد إنسان واحد فأنت تحمل مهمة العمل معه لينضم إلى جيش الوطن".

تشتد في الآونة الأخيرة الهجمة الإسرائيلية على الأسرى والأسيرات داخل المعتقلات الإسرائيلية، ولا تكتفي سلطات الاحتلال بذلك، بل تُصعّد من هجمتها على ذوي الأسرى سواء عبر قطع مخصصات الأسرى التي هي بطبيعة الحال يستفيد منها ذوي الأسير بالدرجة الأولى، أو عبر فرض غرامات عالية على الأسرى وتحميل عائلات الأسرى تكاليف علاج أبناءهم المصابين في سبيل إرهاق العائلة اقتصادياً، أو طرد عائلاتهم من أماكن سكناهم، وهدم البيوت ومنع الزيارات وغيرها من الإجراءات التعسفية التي تدل بوضوح على عجز إدارة السجون في تحقيق الأهداف المرجوة داخل السجون، فتحاول سلطات الاحتلال الإسرائيلية نقل المعركة إلى الخارج باستهداف عائلات الأسرى.

على الرغم من ذلك، يمكن القول أن هناك علاقة طردية ما بين ابتكار سياسات اسرائيلية جديدة وابتكار عائلات الأسرى لوسائل مواجهة جديدة في المقابل. بمعنى أن السحر انقلب على الساحر، وعوضاً عن قمع كافة أشكال المقاومة عبر عملية اعتقال المناضلين الفلسطينيين وممارسة كل ما يمكن توقعه من سياسات وإجراءات قمعية بحقهم وحق ذويهم، غير أن سياسة الاعتقال هذه أثرت على كل بيت فلسطيني، وأدت إلى تأثير مغاير يظهر جلياً في تطوير عائلات الأسرى لأدوات وآليات مواجهة تكاد تكون سياسات حيوية فلسطينية  مضادة تمثلت في : تنمية الوعي الأمني، وحملات الأسرى، وتشكيل حلقة وصل ما بين الأسرى والعالم الخارجي، وإنشاء مواقع التواصل الاجتماعي، وتحرير النطف من داخل السجون، وتشكيل حاضنة إدماجية للأسرى المحررين إضافة إلى الفعاليات والأنشطة التضامنية المختلفة والتي أعطت بدورها قوة معنوية للمعتقل الفلسطيني ليبقى صلباً في مواجهة إدارة السجون. وما تحقيق أرقام قياسية في إضرابات الطعام إلا دليلاً واضحاً على أنه كلما اشتد عنف وقمع السلطات الاسرائيلية، كلما زاد الفلسطيني صموداً وثباتاً سواء كان أسيراً داخل السجون أو خارجها.

يقول عالم الاجتماع الفرنسي جورج غروفيتش أن :" الزمن يمر في بعض التجمعات أسرع منه في بعضها الآخر، وأن بعض التجمعات تملك تقريباً مبطئات للزمن، في حين تملك أخرى مسرعات له ". و يُقسم غروفيتش التجمعات إلى تجمعات ذات وتيرة بطيئة ( المشتركين بالمجلة الدورية نفسها والمتأثرين بها، أعضاء الحزب الذي لا يحضرون الاجتماعات ، الخ ..)، تجمعات ذات وتيرة متوسطة ( تجمعات تلتقي بشكل دوري مثل النقابات، الأحزاب الشركات المساهمة وغيرها )، وأخرى ذات وتيرة متسارعة تجتمع بصورة دائمة ومستمرة مثل العائلات، السجون، الوحدات العسكرية وغيرها.

إذا ما أردنا تطبيق هذه النظرية على عائلات الأسرى الفلسطينيين، فهم قبل أن يكونوا كذلك كانوا عائلات فلسطينية تقع تحت مظلة التجمعات ذات الوتيرة البطيئة، لأن ما يجمعهم هو هويتهم وقوميتهم فحسب. أما الاحتلال الإسرائيلي باعتقال أبنائهم حولهم إلى مجتمعات ذات وتيرة متوسطة، فهم أصبحوا يلتقون بشكل دوري سواء في الزيارات أو في الفعاليات الوطنية الأخرى. بمعنى آخر إن السياسات الاحتلالية الإسرائيلية جعلت الزمن يمر في بعض التجمعات الفلسطينية بشكل أسرع، فذوي الأسرى دخلوا ضمن التجمعات ذات الوتيرة المتوسطة، الأمر الذي جعلهم أقوى وأصلب في مواجهة السياسات الحيوية الإسرائيلية.

من جانب آخر ساهم الأسرى الفلسطينيين في تثقيف وتوعية عائلاتهم، ما أعطاهم أفضلية في مواجهة السياسات الحيوية الإسرائيلية. حيث أن ممارسات سلطات الاحتلال في السجون إزاء عائلات الأسرى الفلسطينيين فيما يخص الزيارات أو المراسلات على وجه الخصوص، احتاجت من الأسرى إلى توعية الأهل وإفهامهم جوانب وأبعاد أساليب الإدارة الأسرائيلية، وهي عملية شاقة تحتاج مجهوداً كبيراً، لكنها كانت مهمة لأن مواجهة أهداف إدارة السجون ومهما كانت صغيرة على درجة عالية من الأهمية، فتراكمها يخلق مشاكل أكبر من حجمها وهذا ما فعله الأسرى المناضلين.

الأسرى ليسوا بحاجة إلى الاندماج في المجتمع، وإنما العكس هو الصحيح. حيث أن الأسير هو مثقف بدوره، والثقافة لا تقتصر على ثقافة العلم والأدب، وإنما تتعدى ذلك إلى التجارب الإنسانية والحياتية وفي العبر والقيم التي نستنبطها من حياتنا.  فالأسير الذي هو في احتكاك يومي ومباشر مع السجان المحتل يجعله مُطلع على طريقة تفكير عدوه، الأمر الذي يُكسبه "ثقافة أمنية" من المهم أن يستعين بها المجتمع في ظل المواجهة المستمرة مع الاحتلال.

 تعتبر الثقافة الأمنية تربية وقائية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وعليه فإن الثقافة الأمنية تستحق أن تأخذ حيزاً كبيراً في الثقافة الفلسطينية، فهي ضرورة ملحة في مواجهة السياسات الحيوية الإسرائيلية. يمكن الاستعانة بالأسرى المحررين في هذه المهمة ، وبنفس الوقت تفعيلهم في المجتمع، حيث أن الاستثمار في الأسرى الأحرار ضرورة حيوية، ومن شأنه بلا شك أن يكون في صالح المجتمع ونهضته وإبقاء قضية الأسرى مركزية في الوجدان الفلسطيني. فالأسرى الذين ساهموا في خلق تجربة نضالية فريدة من نوعها على المستوى العالمي ونجحوا في تحويل السجون إلى مدارس وجامعات، بالتأكيد في جعبتهم الكثير ليقدموه خارج أسوار المعتقلات.