هنا دولة اسرائيل الكبرى ...هنا سجن المسكوبية

في . نشر في مقالات

 بقلم عيسى قراقع

رئيس هيئة شؤون الاسرى والمحررين

 ما أطول الطريق الى سجن المسكوبية ، هذا السجن الذي اطلق عليه خلال ثورة عام 1936 بالمسلخ حيث أعدم عددا من الثوار الفلسطينيين على مشنقة سجن المسكوبية خلال الانتداب البريطاني، ولا زال يسلخ جلود المعتقلين الفلسطينيين بعد أن ورثت دولة اسرائيل المحتلة هذا السجن وكل أساليب وانظمة وقوانين القمع عن البريطانيين .

اعتقلوه الساعة الثالثة فجرا بعد ان اقتحموا البيت، هي فرق كوماندو اسرائيلية ملثمة خططت لاعتقال طفل قاصر لا يزيد عمره عن 13 سنة، فجروا باب المنزل وانتشروا فيه كالوطاويط، وجهوا بنادقهم للمفزوعين من نومهم والمرعوبين من هذا الاجتياح الليلي المسلح، حشروا سكان المنزل تحت التهديد والمسبات في غرفة واحدة ، ثم توجهوا الى سرير الطفل ، وضعوا المسدسات على رأسه ، كان يحلم ، قرب سريره كتاب المدرسة المفتوح على الصفحة الخامسة والثلاثين، انهالوا عليه ضربا فلم يكتمل الحلم، عصبوه وقيدوه وجروه بسرعة الى خارج البيت ، بعد ان قامت بقية الفرقة المهاجمة بتفتيش البيت والعبث بمحتوياته وتدميرها.

هي ليلة اعتقال ولد صغير ، وقد تكللت العملية العسكرية بالنجاح ، وابلغ قائد الفرقة قيادته ان المهمة قد انجزت تماما، وان الهدف اصبح بين أيديهم ، وانهم سيتوجهون الى منازل بقية الاولاد الآخرين لاعتقالهم قبل استكمال حلمهم وبزوغ الصباح، لا يحبون اشراقة الفجر، يكرهون النهار، ويكرهون اكثر انهم لم يطلقوا الرصاص في هذه العملية، يعشقون الدم خاصة انهم تعودوا خلال عملهم العسكري ان يطلقوا الرصاص على المطلوبين للاعتقال ، يقتلونهم او يصيبونهم بجروح بالغة، هي نشوة الحرب على الصغار ورقصة الدماء المنثورة على ارصفة البيوت.

يسجل ضابط العملية العسكرية في تقاريره انه نجح خلال عام 2017 في قتل 8 أطفال من راشقي الحجارة خلال محاولات اعتقالهم، وان 45 طفلا آخر اصيبوا بجروح بالغة من بينهم 15 طفلا اصيبوا باعاقات في ركبهم بعد اطلاق الرصاص عليهم ، ويكتب انه إذا لم يقتل الولد المطلوب فإنه سيعيش طوال حياته معاقا ، سنحول اولاد فلسطين الى اولاد العكاكيز.

 

لا يعرف هذا الولد الذي اعتقل بلباس النوم، لم يسمح له باخذ ملابسه الشتوية ولا حتى بارتداء حذائه، ظل حافيا، الى اين سوف يأخذونه، ها هو مبطوح على ارض السيارة العسكرية المصفحة مربوطا معصوبا ، أحذية الجنود المدببة تدعس على جسده ، يضربونه بقسوة، يشدون القيود على يديه اكثر، دماء تسيل من أنفه ورأسه،ضربات توجه على رأسه باعقاب البنادق، احذية الجنود تضغط على رقبته ، يكاد يختنق، غير قادر حتى على الصراخ، الجنود يتفننون في ضرب الولد الملقى تحت احذيتهم، يتعمدون دعس الفرامل خلال الطريق، يرتطم جسم الولد بالحديد ، ما الذي يجري؟ ما اطول هذي الطريق.

في سجن المسكوبية وقبل اي سؤال انهال عليه المحققون بالركلات والصفعات والشتائم البذيئة، قيدوه على كرسي محني الظهر من قدميه ويديه وتركوه في غرفة باردة ومثلجة، يرتعش، دماؤه تجمدت على خديه، ذاكرته تحولت الى ظلال، صورة امه الباكية تتماوج بين عينيه ، اخوته الصغار الخائفين يقفزون من النعاس ومن فراش النوم.

جاء المحقق ، مسكه وضرب رأسه عدة مرات بالحائط، بصق على وجهه ، هدده باعتقال والديه، طلب منه ان يعترف بضرب الحجارة والا سيموت هنا، كم حجرا ضربت؟ لماذا تسهر طوال الليل تنتظر لتضربنا؟ لماذا تكرهنا؟ لم يستطع الولد ان يقول له ان الصف الخامس الابتدائي في مدرسته اصبح ناقصا، اصدقاء له قتلوا، وأصدقاء له اعتقلوا، وان حقائبهم لازالت مليئة بالكتب والاقلام، وان ملابسهم لا زالت منشورة على حبال الغسيل في الشمس، وعندما يقرع جرس المدرسة لا يأتون ولا يراهم.

طلب الولد ان يشرب الماء، فما كان من المحقق الا أن وجه له ضربة قوية على صدغيه ، لا ماء هنا، لا هواء ، لا حياة، هنا المسكوبية، هنا غرفة اربعة، غرفة الموت، من يأتي هنا لا يخرج الا كسيحا ومذلولا، هنا دولة اسرائيل العظمى، لن ندعكم تكبرون بعد الآن، كان المحقق يزعق ويرتجف، كان خائفا مرعوبا قلقا، كأن هذا الطفل الصغير يعتقل كل جلادي الاحتلال، لماذا هم خائفون من حجري؟

طلب الولد محامي، فما كان من المحقق الا ان اصيب بحالة فزع وجنون، أي محامي؟ لا قانون هنا، نحن القانون، المخابرات هي القانون، الأمن هو القانون، لا نعترف بانك قاصر ، لا نعترف باتفاقية حقوق الطفل العالمية، اولاد فلسطين قنابل موقوته، لا يشترون الحلوى بل القنابل، حقائبهم مملوءة بالحجارة والنكافات والمولوتوف، لهذا لن تخرج من هنا حرا، محاكمنا العسكرية شرع لها ان تصدر بحق الاولاد احكاما عالية، نحن المخابرات ايدنا قانون اعدامكم، تعبنا منكم، عليكم ان تختفوا من وجوهنا الى الأبد.

المحقق أصيب بالهلوسة امام الطفل العنيد، الى متى ستصمد؟ منذ وعد بلفور مرّ من المسكوبية الكثيرون، هنا قتلنا قاسم ابو عكر وعبد الصمد حريزات وابراهيم الراعي، هززنا ارواحهم وزهقناها، لم يحاسبنا أحد، نحن شعب الله المختار، نحظى بحصانة وحماية ، نفعل ما نشاء.

شعر الولد ان المحققين مهزوزين ، أكل هذا السجن وما فيه من محققين وموظفين واصفاد وأبواب وهراوات وزنازين معدّة له؟ جولات ليلية من التحقيق لا تنتهي، هم ساهرون طوال الليل، وهو يحاول ان ينام في خياله البعيد البعيد، يلعب في حديقة المدرسة ، يقرأ نشيد الصباح، يرفع العلم، هنا ما يمكن ان يلجأ اليه، وهم لا يلجأون الا للقمع والضرب، ما هذه المسكوبية؟ مكان للمتوحشين، رائحة دماء منتشرة، وعفن ورطوبة واختناق، هنا دولة اسرائيل الكبرى، دولة محشورة في سجن المسكوبية.

طلب الولد طبيبا ليعالج رضوضه وجروحه التي اصيب بها بسبب الضرب والدعس والتنكيل، ضحك المحقق عاليا وقال: اعترف اولا ثم نجلب لك طبيبا، سوف تتعفن جروحك، وربما سيتم  بتر يدك المصابة، وأكثر سوف تصاب بالجنون وتموت، سنقول انك انتحرت، لا احد هنا يراك، لا كاميرا ولا تسجيل، انت وحدك في هذا النعش ، هنا المسكوبية وليس المدرسة او البحر.

دخل مجموعة محققين عرّوا الطفل من كامل ملابسه، وبدأت حفلة ضرب وضحكات وتصوير، يلتقطون الصور مع الطفل المعذب والمضروب، وقع على الأرض أوقفوه، ثم وقع على الأرض وهم يستهزئون ويضحكون، صيد ثمين بين أيديهم ، ولد صغير وقع بين قبضاتهم، أجهزتهم الخلوية تلتقط صورالولد المنهك المرعوب، هل اشبعوا غرائزهم ونوازعهم ؟ هل شفوا من امراضهم الامنية والعنصرية وتبخرت الكراهية من صدورهم بعد هذه الحفلة الصاخبة من الضرب المبرح والاستمتاع؟ المسكوبية مكان للشياطين ولمرضى دولة اسرائيل الكبرى.

أين الصليب الاحمر ؟ تساءل الولد المعزول في زنزانته منذ 20 يوما، لا يصل أحد الى سجن المسكوبية ، لا صليب أحمر ولا برلمان اوروبي ، لا صحافة ولا مؤسسات حقوق انسان، الزنزانة بعيدة عن الكون، خشنة الحيطان، قذرة ، مليئة بالحشرات، ضوؤها اصفر باهت ، الأغطية قديمة ومليئة بالقيء والقاذورات ، لا نوم في هذه الزنزانة الضيقة، آخ لو في يده الآن حجر، تمنى ذلك وهو يحاول ان يحلق في الهواء الذي لا يعرفه المحققون ، ويطير.

 

هنا سجن المسكوبية

 

هنا دولة اسرائيل الكبرى:

 

المخابرات ، الحكومة ، الجيش ، البرلمان

 

القضاة ، المحاكم، الشرطة، الجامعات

 

الصحافة ، المستوطنون

 

هنا ولد صغير معتقل يكتب على كف يده:

 

لم اعد طفلا منذ الآن