اقتحامات السجون.. أضحت سلوكاً ثابتاً *بقلم/عبد الناصر عوني فروانة

في . نشر في مقالات

بالأمس حدث هذا في سجن "مجدو"، وأول أمس شهد سجن "جلبوع" حدثاً مشابهاً، وقبلها بأيام تكرر المشهد مراراً في "عوفر". هذا فقط في غضون الأيام القليلة الماضية من هذا الأسبوع. ولو عُدنا للوراء قليلاً أو كثيراً، فسنجد أن المشهد ثابتاً ولم يتغير، والأحداث هي ذاتها وأكثر في السجون كافة على حد سواء، بما فيها سجني النساء والأطفال. نعم بات المشهد ثابتاً، والأحداث دائمة التكرار منذ زمن، وكان لي العديد من المنشورات والاصدارات حول هذا الموضوع. عن اقتحامات السجون واستخدام القوة المفرطة بحق المعتقلين الفلسطينيين أتحدث.
ان اقتحام أقسام وغرف المعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي واستخدام القوة المفرطة بحق العُزل، لم تعد مجرد اقتحام عادي وتفتيش روتيني بحثاً عن (مواد ممنوعة)، والعبث بالمقتنيات الخاصة والأغراض الشخصية واتلاف بعضها، كما كان يحدث في الماضي البعيد. وهي ليست ممارسة فردية ونادرة أو اعتداء عابر من قبل هذا الضابط أو ذاك الشرطي فقط. كما لم تعد الاقتحامات والاعتداءات وما يصاحبها من تنكيل وقمع واستخدام الهراوات ورش الغاز واصابة عدد من المعتقلين حدثا استثنائيا وموسميا، أو ظاهرة أسبوعية و شهرية فحسب. وإنما أضحت الاقتحامات والاعتداءات واستخدام القوة المفرطة سلوكا ثابتاً و سمة أساسية لدى كل من يعمل في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وغدت جزءا أساسيا من معاملة المعتقلين الفلسطينيين، وتنفذ بحق الأسرى، فرادى وجماعة، وفي كل الأوقات ليلاً ونهاراً، لدرجة أنها تتكرر أحيانا داخل السجن الواحد أكثر من مرة في اليوم الواحد، وتحدث مرات عديدة خلال أسبوع واحد كما حصل في "عوفر" قبل أيام، وفي مرات كثيرة تحدث في أكثر من سجن في توقيت واحد. وفي السنوات الأخيرة اتسعت الظاهرة وازدادت عدداً واشتدت عنفا وارتفع أعداد المصابين. كما ولم تتوقف الاقتحامات أو يُخفض عددها ومستواها في زمن "كورونا"، وانما تصاعدت أكثر دون الأخذ بعين الاعتبار خطورة الاحتكاك والمخالطة واحتمالية انتشار العدوى، ولربما كان هذا من الأسباب التي أدت الى ارتفاع أعداد المصابين بفايروس "كورونا" بين صفوف الأسرى. وليس من المبالغة في شيء أن نقول: بأن إدارة سجون الاحتلال تتمتع بسمعة سيئة، في هذا الصدد، بسبب كل هذا التاريخ الحافل بالانتهاكات والجرائم.
تلك الأحداث التي تعكس الافراط في استعمال القوة بحق المعتقلين العُزّل، أدت الى استشهاد سبعة معتقلين فلسطينيين بعد اصابتهم بأعيرة نارية وهم داخل السجن، منذ أن سقط المعتقلان أسعد الشوا وبسام السمودي في معتقل النقب بتاريخ 16 آب/أغسطس عام 1988 بعد ان احتج المعتقلين سلمياً على ظروف اعتقالهم. هذا بالإضافة إلى اصابة المئات من المعتقلين بإصابات مختلفة جراء تلك الاعتداءات التي تُستخدم فيها كافة وسائل وأدوات القمع والقتل، وكان آخر المصابين ما سُجل بالأمس في سجن "مجدو" القريب من مدينة حيفا شمال فلسطين المحتلة.
أن لجوء ادارة السجون الإسرائيلية الى الاقتحامات واستخدام القوة المفرطة بحق المعتقلين الفلسطينيين تحت ذرائع مختلفة ومبررات واهية، إنما هي سياسة تحظى بمباركة وتشجيع الجهات العليا في دولة الاحتلال والتي شكّلت لهذا الغرض وحدات قمع خاصة عرفت باسم قوات: نخشون ودرور وميتسادا واليماز وغيرها. ولا يوجد اختلاف بين تلك الوحدات من حيث التدريب والتسليح والأهداف وطبيعة المهام، فهي مدربة جيداً ومزودة بأسلحة مختلفة منها السلاح الأبيض والهراوات والغاز المسيل للدموع والرصاص الحارق وأجهزة كهربائية تُحدث آلاماً في الجسم، وفي أحيان كثيرة تستخدم الكلاب، ومزودة أيضا بالأسلحة النارية ذات الذخيرة الحية القاتلة والمحرمة دولياً. كما تضم خبراء سبق لهم أن خدموا في وحدات حربية مختلفة، في جيش الاحتلال الإسرائيلي.
إن المهام الموكلة لهذه الوحدات، تتمثل في نقل المعتقلين من سجن لآخر، أو من السجن إلى المحاكمة، ومنع هروب السجناء، أو اعتراض قافلتهم ومهاجمتها وتحريرهم من قبل منظماتهم أثناء ذلك، بالإضافة إلى السيطرة على السجن والقضاء على أي احتجاجات للأسرى، ومواجهة كافة حالات الطوارئ داخل السجون والمعتقلات، بما فيها عمليات احتجاز رهائن أو الاعتداء على السجانين.
ولكن كافة المعطيات تؤكد بأن أهداف تلك الوحدات تتعدى موضوع الحراسة والأمن، وهناك جملة من الأهداف غير المعلنة تستهدف استقرار الحركة الأسيرة واحداث حالة من الارباك الداخلي للأسرى، ومحاولة المساس بالمكونات الشخصية للأسرى والانتقام منهم، وإلحاق الأذى الجسدي والنفسي والمعنوي بهم، والمس بكرامتهم والسعي لإذلالهم واهانتهم واستفزازهم عبر التفتيش العاري وغيره من الاجراءات المهينة، وصولا الى السيطرة عليهم والتحكم في سلوكهم وتصرفاتهم وإجبارهم على القبول بسياسة الأمر الواقع وتنفيذ أوامر وتوجيهات ادارة السجون. كما امتدت جرائم تلك الوحدات، في كثير من الأحيان، إلى المس بالمشاعر والمقدسات الدينية، كقذف المصاحف الشريفة على الأرض، والدوس عليها، وتمزيقها، وإلقائها في دورات المياه؛ وهذا حدث مرات عدة. وأحيانا تُنفذ ادارة السجون تلك الاقتحامات للتغطية على أحداث حصلت في ذات السجن أو لحرف الأنظار عن أحداث وقعت في سجون أخرى، وكأنها تسعى إلى نقلنا من مكان لآخر والتحكم في تحديد أولويات اهتمامنا ومتابعتنا.
لهذا أرى بأن علينا وعلى المؤسسات المعنية بالأسرى وتلك التي تختص بالقانون وحقوق الإنسان والاعلام، وبمشاركة الأسرى والمعتقلين داخل السجون، تسليط الضوء على تلك الجرائم وفضحها والتصدي لها باعتبارها ظاهرة خطيرة، وليست مجرد أحداث عابرة هنا وهناك. كما ويجب العمل على توثيق تلك الاقتحامات وما يصاحبها من اعتداءات بكل حيثياتها توثيقاً علمياً وشاملاً والاستفادة من "الفيديوهات" التي تقوم ادارة السجون بتسريبها بين الفينة والأخرى والتي توثق جزءا من تلك الاقتحامات، خاصة تلك التي سقط فيها شهداء وأدت إلى اصابات بين صفوف الأسرى والمعتقلين. فهذا سنحتاجه لاحقا في ملاحقة الاحتلال على جرائمه بحق الأسرى. أما الآن فمن الضروري التحرك نحو الضغط على المؤسسات الدولية كي تتحمل مسؤولياتها وتوفر الحماية للأسرى والمعتقلين الفلسطينيين من بطش السجان واعتداءات قوات القمع وخطر فايروس "كورونا" في ظل تصاعد الاقتحامات والاعتداءات واستمرار الاستهتار الإسرائيلي بشكل غير مسبوق.